بعد أكثر من عقدين على الغزو الذي غيّر ملامح العراق والشرق الأوسط، أعلنت الولايات المتحدة عزمها إنهاء وجودها العسكري في البلاد بحلول نهاية سبتمبر/أيلول، في خطوة تمثل تحولاً استراتيجياً في العلاقات بين بغداد وواشنطن، وتأتي في ظل تصاعد التوتر مع إيران وإعادة ترتيب الأولويات الأمريكية في المنطقة.
ورغم أن القرار يُنظر إليه باعتباره نهاية لأطول انتشار عسكري أمريكي في العراق منذ عام 2003، فإن مراقبين يرون أن الانسحاب لا يعني بالضرورة تراجع النفوذ الأمريكي، بل انتقاله من الحضور العسكري المباشر إلى أدوات اقتصادية واستثمارية وسياسية.
إعلان مشترك من واشنطن
خلال لقاء جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض، أعلن الجانبان أن القوات الأمريكية ستغادر العراق قبل نهاية سبتمبر/أيلول، منهيةً انتشاراً عسكرياً بدأ مع الغزو الأمريكي عام 2003.
وقال ترامب إن البيئة الأمنية في العراق تغيرت، وإن الولايات المتحدة لم تعد ترى حاجة إلى استمرار وجود قواتها العسكرية هناك، فيما أكد رئيس الوزراء العراقي أن المرحلة المقبلة ستركز على توسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات الأمريكية.
من الحرب إلى الاستثمار
بحسب التصريحات الرسمية، تتجه العلاقات بين بغداد وواشنطن إلى مرحلة جديدة تقوم على الاقتصاد والطاقة بدلاً من التعاون العسكري.
وأشار ترامب إلى وجود فرص واسعة أمام الشركات الأمريكية للعمل في العراق، مؤكداً أن البلدين سيعقدان “العديد من الصفقات”، مع تركيز خاص على قطاع النفط والطاقة.
ويرى محللون أن هذا التحول يعكس رغبة واشنطن في الحفاظ على نفوذها في العراق عبر الاستثمار والتعاون الاقتصادي، بدلاً من الاعتماد على الوجود العسكري المباشر.
23 عاماً من الوجود العسكري
بدأ التدخل الأمريكي في العراق في مارس/آذار 2003، عندما قادت الولايات المتحدة تحالفاً عسكرياً للإطاحة بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين، مستندة إلى اتهامات بامتلاك العراق أسلحة دمار شامل ووجود صلات مع جماعات إرهابية.
إلا أن فرق التفتيش لم تعثر لاحقاً على تلك الأسلحة، وهو ما أثار جدلاً واسعاً حول مبررات الحرب.
وفي ذروة العمليات العسكرية عام 2007، تجاوز عدد الجنود الأمريكيين في العراق 170 ألفاً، قبل أن يبدأ الانسحاب التدريجي وصولاً إلى خروج معظم القوات القتالية عام 2011.
لكن الولايات المتحدة عادت عسكرياً عام 2014 ضمن التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الذي كان قد سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.
لماذا الآن؟
يأتي قرار الانسحاب في وقت تشهد فيه المنطقة تطورات متسارعة، أبرزها تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.
ويرى مراقبون أن واشنطن تسعى إلى إعادة توزيع مواردها العسكرية بما يتناسب مع أولوياتها الجديدة، مع التركيز على مواجهة التحديات الإقليمية من خارج الأراضي العراقية.
كما ينسجم القرار مع توجه أمريكي معلن لتقليص الوجود العسكري المباشر في الشرق الأوسط، مع الإبقاء على أدوات التأثير عبر الشراكات الأمنية والاقتصادية.
النفط… ملف لا يغيب
ظل النفط أحد أكثر الملفات إثارة للجدل منذ بداية الحرب على العراق.
ففي حين أكدت الإدارات الأمريكية المتعاقبة أن التدخل العسكري استهدف إزالة تهديدات أمنية، رأى منتقدون أن المصالح النفطية كانت حاضرة بقوة في خلفية القرار.
وكان الرئيس دونالد ترامب قد كرر خلال السنوات الماضية تصريحات قال فيها إن الولايات المتحدة كان ينبغي أن “تأخذ النفط” العراقي، كما دعا في مناسبات أخرى إلى حماية حقول النفط في مناطق النزاع.
وفي أحدث تصريحاته، ربط ترامب مجدداً بين المصالح الأمريكية وقطاع الطاقة، متحدثاً عن فرص استثمارية واسعة للشركات الأمريكية داخل العراق.
ما الذي يعنيه الانسحاب للعراق؟
يمثل خروج القوات الأمريكية محطة جديدة في مسار استعادة العراق لملفاته الأمنية، لكنه يطرح في الوقت نفسه تساؤلات بشأن مستقبل التعاون العسكري، وقدرة القوات العراقية على مواجهة أي تهديدات أمنية محتملة.
كما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية، قد يكون الاقتصاد والاستثمار فيها أكثر حضوراً من التعاون العسكري الذي طبع العلاقات بين البلدين خلال العقدين الماضيين.






