يرتسم في إقليم النيل الأزرق جنوب شرقي السودان مشهد إنساني متناقض؛ حيث تمكنت نحو 5 آلاف أسرة نازحة من مغادرة مدينة الدمازين والبدء في رحلة العودة إلى ديارهم بعد سنوات من المعاناة، في مقابل تدفق مستمر لنازحين جدد يفرون من ويلات المعارك المستعرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. ويأتي هذا الحراك السكاني الحذر في وقت تطلق فيه الأمم المتحدة والمنظمات الدولية تحذيرات شديدة اللهجة من تفاقم المأساة الإنسانية والصحية التي تصنف كالأقوى والأقسى عالمياً، مع تفشي وباء الكوليرا ودخول موسم الخريف والفيضانات.
حركة عودة واسعة إلى “التضامن” وترقب حذر في قيسان والكرمك
بعد عامين من النزوح القسري والعيش في ظروف بالغة الصعوبة، بدأت آلاف العائلات حزم أمتعتها للعودة إلى مناطقها الأصلية مستفيدة من الهدوء النسبي في بعض المحاور:
تعافي محافظة التضامن: كشفت السلطات المحلية في محافظة التضامن (غرب الدمازين) عن عودة نحو 80 ألف نازح إلى ديارهم، من أصل 100 ألف كانوا قد فروا منها إبان الهجوم الواسع الذي شنته قوات الدعم السريع على المنطقة عام 2024.
ترقب في قيسان والكرمك: يسود ترقب حذر وبصيص أمل بين النازحين بخصوص العودة القريبة إلى مدينتي قيسان والكرمك الإستراتيجيتين، وذلك عقب إعلان الجيش السوداني مؤخراً استعادة السيطرة الكاملة عليهما وتأمينهما.
مخيم “الكرامة” يستقبل نازحين جدداً وسط ظروف قاسية
على الجانب الآخر من المشهد، لا تزال مدينة الدمازين تشكل ملاذاً اضطرارياً لآلاف الفارين من جحيم المواجهات العسكرية في المناطق والمدن المتاخمة للإقليم:
تدفق لا يتوقف: أكدت مفوضية العون الإنساني بإقليم النيل الأزرق أن الدمازين ومخيماتها، ولا سيما مخيم الكرامة، لا تزال تستقبل أعداداً إضافية من النازحين الجدد بشكل شبه يومي.
مأساة مخيمات الإيواء: يعيش آلاف العالقين في خيام مهترئة تفتقر للحد الأدنى من مقومات الحياة الآدمية والصرف الصحي، وسط عجز محلي ودولي عن تلبية الاحتياجات الغذائية والإيوائية الأساسية للمهجرين.
تفشي الكوليرا في كردفان ومخاوف كبرى من أوبئة الخريف
إنسانيا وصحياً، يواجه السودان كارثة وبائية متسارعة تزامناً مع شلل شبه تام في المنظومة الطبية وصعوبة بالغة تواجهها المنظمات الدولية في الوصول الإنساني ونقص التمويل:
ضحايا الكوليرا في شمال كردفان: أعلنت وزارة الصحة في ولاية شمال كردفان عن تسجيل 600 إصابة مؤكدة بالكوليرا، من بينها 21 حالة وفاة في إدارية المزروب بمحلية غرب بارا، وسط مخاوف من خروج الوضع عن السيطرة في ظل غياب التجهيزات الطبية واللقاحات.
تهديدات موسم الأمطار: تتصاعد الهواجس الصحية مع دخول موسم الخريف؛ حيث تحذر المنظمات الدولية من أن الأمطار الغزيرة والفيضانات المتوقعة، مقترنة بالتردي المريع لخدمات الصرف الصحي وتراكم النفايات في مراكز النزوح، ستؤدي حتماً إلى تفشي الملاريا والأمراض المنقولة بالمياه والأوبئة المعوية.
30 مليوناً بلا رعاية: تُشير أحدث التقارير الأممية إلى أن قرابة 30 مليون سوداني باتوا في حاجة ماسة وعاجلة للمساعدات الصحية المنقذة للحياة، في بلد يئن تحت وطأة صراع مسلح عطل أكثر من 80% من مرافقه الطبية والصحية.






