في تطور يحمل أبعاداً سياسية واجتماعية وإنسانية، أعلنت وزارة الداخلية السورية تقدّم أكثر من 10 آلاف من الأكراد بطلبات للحصول على الجنسية السورية، في خطوة تعيد فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في تاريخ البلاد الحديث.
ويأتي هذا التطور ضمن تنفيذ المرسوم رقم «13»، الذي يستهدف معالجة آثار إحصاء عام 1962 الاستثنائي، والذي تسبب لعقود في حرمان أعداد كبيرة من الأكراد من حقوقهم المدنية الأساسية.
ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها محاولة جديدة من دمشق لإعادة ترتيب العلاقة مع المكون الكردي، خاصة في ظل التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها سوريا خلال السنوات الأخيرة، والتغيرات في خريطة النفوذ داخل مناطق شمال شرقي البلاد.
قرار استثنائي صنع أزمة ممتدة
تعود جذور القضية إلى الإحصاء الاستثنائي الذي أُجري في محافظة الحسكة عام 1962، حين جرى تصنيف آلاف الأكراد خارج إطار الجنسية السورية تحت ذرائع إدارية وتنظيمية.
ومنذ ذلك الوقت، وجد عشرات الآلاف أنفسهم بلا جنسية، محرومين من حقوق عديدة مثل التملك والعمل الرسمي والتعليم وبعض الخدمات الأساسية.
ومع مرور الوقت، تحولت القضية من ملف إداري إلى أزمة إنسانية وسياسية معقدة، حيث نشأت أجيال كاملة وهي تعاني أوضاعاً قانونية استثنائية، الأمر الذي خلق شعوراً بالتهميش لدى قطاعات واسعة من الأكراد السوريين.
ورغم محاولات سابقة لمعالجة الملف، بقيت الأزمة حاضرة باعتبارها إحدى القضايا الشائكة في العلاقة بين الدولة السورية والمكوّن الكردي.
أكثر من عشرة آلاف طلب.. الحسكة في الصدارة
وبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية السورية، فقد بلغ عدد الطلبات المقدمة نحو 2892 طلباً عائلياً، تضمنت تفويضات قانونية لتجنيس 10516 شخصاً.
وأظهرت الأرقام أن محافظة الحسكة تصدرت قائمة المناطق من حيث عدد الطلبات المقدمة، وهو أمر متوقع بالنظر إلى أنها تضم الكثافة الأكبر من المواطنين الأكراد المشمولين بالمرسوم. وجاءت مدينة حلب في المرتبة الثانية، تلتها العاصمة دمشق.
ويعكس هذا التوزيع الجغرافي حجم الامتداد الديموغرافي للأكراد السوريين، كما يكشف وجود رغبة واسعة لدى آلاف الأسر في تسوية أوضاعها القانونية بعد سنوات طويلة من الانتظار.
ثلاث مراحل قبل الحصول على الجنسية
ولم تقتصر العملية على استقبال الطلبات فقط، إذ وضعت السلطات السورية خطة تنفيذية تتضمن عدة مراحل متتابعة.
وتبدأ المرحلة الأولى باستقبال ملفات المتقدمين وتجميع الوثائق المطلوبة، وهي المرحلة التي شهدت الإقبال الأكبر حتى الآن. وبعدها تنتقل الجهات المعنية إلى مرحلة التدقيق ومراجعة البيانات والتحقق من صحة المستندات والمعلومات المقدمة.
أما المرحلة الأخيرة، فتتمثل في استكمال الإجراءات القانونية النهائية ومنح الجنسية رسمياً للمستحقين.
ويرى مراقبون أن نجاح هذه المراحل سيعتمد بدرجة كبيرة على سرعة إنجاز المعاملات، إضافة إلى طبيعة المعايير التي ستُستخدم في عمليات التدقيق.
أبعاد سياسية تتجاوز الجانب الإداري
لا تبدو الخطوة مجرد إجراء قانوني أو إداري بحت، بل تحمل في طياتها رسائل سياسية واضحة، خاصة في ظل المساعي المستمرة لإعادة بناء التوازنات الداخلية في سوريا.
وظل ملف الأكراد خلال السنوات الماضية عنصراً مؤثراً في المشهد السوري، خصوصاً مع ظهور كيانات إدارية وعسكرية في مناطق الشمال الشرقي، وما رافق ذلك من تحولات في طبيعة العلاقة مع الحكومة المركزية.
ويرى متابعون أن معالجة قضية الجنسية قد تُستخدم كأحد المسارات الهادفة إلى تخفيف التوترات وبناء مساحات جديدة من التفاهم بين دمشق والمكون الكردي، عبر منح شريحة واسعة من المواطنين شعوراً باستعادة الحقوق والانتماء القانوني الكامل.
هل تمهد الجنسية لتسوية أوسع؟
السؤال الذي يفرض نفسه الآن لا يتعلق فقط بمنح الجنسية لآلاف الأشخاص، بل بما إذا كانت هذه الخطوة ستفتح الباب أمام تسويات أوسع لملفات سياسية وإدارية عالقة بين الدولة السورية والقوى الكردية.
ففي بلد أنهكته سنوات الحرب والانقسامات، تبدو قضايا الهوية والانتماء والمواطنة جزءاً أساسياً من أي معادلة مستقبلية للاستقرار.
ومع بدء استقبال الطلبات وارتفاع أعداد المتقدمين، تبدو الأنظار متجهة نحو ما ستسفر عنه المراحل المقبلة، وما إذا كانت دمشق ستنجح في تحويل هذا الملف من أزمة تاريخية مزمنة إلى بداية صفحة جديدة أكثر استقراراً.




