في وقت تتجدد فيه المواجهات بين جماعة الحوثي والمملكة العربية السعودية بعد سنوات من الهدوء النسبي، تؤكد إيران أن الصراع في اليمن لا يمكن حسمه بالقوة العسكرية، داعية إلى العودة إلى طاولة الحوار باعتبارها الطريق الوحيد لإنهاء واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا في المنطقة.
وتأتي هذه الدعوة في ظل تصاعد التوترات على الحدود السعودية اليمنية، واتساع المخاوف من امتداد التصعيد إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية.
طهران: الحل يبدأ بالحوار
أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن النزاع بين الحوثيين والسعودية لا يملك حلاً عسكرياً، مشدداً على أن أي محاولة لإنهاء الأزمة عبر القوة لن تؤدي إلا إلى إطالة أمد الصراع.
وفي مقابلة مع صحيفة إيران ديلي الرسمية، أوضح عراقجي أن الطريق الأكثر واقعية يتمثل في الحوار والتسوية السياسية، داعياً جميع الأطراف إلى معالجة الأسباب الجذرية للأزمة بدلاً من الاكتفاء بالحلول العسكرية.
ويعكس هذا الموقف استمرار الخطاب الإيراني الداعي إلى تسوية سياسية في اليمن، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية تشهدها المنطقة على أكثر من مسار.
باب المندب… أكثر من مجرد ممر بحري
ربط وزير الخارجية الإيراني التوترات المتصاعدة في مضيق باب المندب بالنزاعات التاريخية بين اليمن والسعودية ودول المنطقة، معتبراً أن الأزمة تتجاوز المواجهات العسكرية الحالية.
ويمثل المضيق شرياناً استراتيجياً يربط البحر الأحمر بخليج عدن، وتعبر من خلاله نسبة كبيرة من حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، ما يجعل أي اضطراب أمني فيه موضع اهتمام إقليمي ودولي واسع.
ولهذا، فإن أي تصعيد في محيطه لا ينعكس على أطراف الصراع فقط، بل يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية.
هدنة انتهت… والمواجهات تعود
جاءت التصريحات الإيرانية في وقت تشهد فيه الساحة اليمنية تصعيداً جديداً، بعد نحو أربع سنوات من الهدنة التي خففت حدة المواجهات بين الحوثيين والسعودية.
ففي 13 يوليو، عاد التوتر العسكري إلى الواجهة مع تبادل الهجمات والاتهامات بين الجانبين، ما أثار مخاوف من انهيار حالة التهدئة التي استمرت لعدة سنوات.
ويشير هذا التطور إلى أن المسار السياسي لا يزال هشاً، وأن أي تدهور ميداني قد يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر.
هجمات متبادلة وتصعيد في البحر الأحمر
أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن إطلاق صاروخ باتجاه مدينة جيزان السعودية القريبة من الحدود اليمنية، وذلك بعد أيام من إعلانهم استهداف مطار سعودي.
وفي المقابل، اتهمت الجماعة السعودية بتنفيذ غارات جوية على مدينة الحديدة الواقعة على الساحل الغربي لليمن، متوعدة بالرد على تلك الهجمات.
كما أعلنت الجماعة نيتها منع حركة السفن السعودية في البحر الأحمر وخليج عدن، في خطوة قد تؤدي إلى توسيع نطاق التوتر ليشمل الملاحة البحرية، وهو ما يثير قلقاً متزايداً لدى المجتمع الدولي.
اليمن في قلب الصراعات الإقليمية
لا يمكن فصل التطورات في اليمن عن المشهد الإقليمي الأوسع، إذ تتزامن هذه الأحداث مع استمرار التوتر بين إيران والولايات المتحدة، وانعكاساته على عدد من ساحات الشرق الأوسط.
ويُنظر إلى الملف اليمني باعتباره أحد أبرز الملفات التي تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع التوازنات السياسية والاستراتيجية.
وفي هذا السياق، تحمل التصريحات الإيرانية أبعاداً سياسية تتجاوز الدعوة إلى الحوار، إذ تعكس أيضاً رغبة في تجنب انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع قد تمتد آثارها إلى الممرات البحرية الحيوية.
هل يعود المسار السياسي؟
رغم عودة المواجهات العسكرية، لا تزال الأمم المتحدة وعدد من القوى الإقليمية والدولية تدعو إلى استئناف المفاوضات بين الأطراف اليمنية، باعتبار أن الحل العسكري لم ينجح طوال سنوات الحرب في إنهاء النزاع.
وتتوافق الدعوة الإيرانية إلى الحوار مع هذا التوجه، إلا أن نجاح أي مسار سياسي سيظل مرتبطاً بمدى استعداد جميع الأطراف لتقديم تنازلات، وبإمكانية تثبيت وقف دائم لإطلاق النار.
وفي ظل استمرار التصعيد الميداني وارتفاع المخاوف على أمن البحر الأحمر، يبدو أن اليمن يقف مجدداً أمام مفترق طرق، بين العودة إلى طاولة المفاوضات أو الانزلاق نحو مرحلة جديدة من المواجهة قد تتجاوز حدود البلاد لتطال أمن المنطقة بأسرها.






