تواجه وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) مرحلة جديدة من التضييق في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتحديدًا في القدس الشرقية، في ظل تعديلات تشريعية مقترحة في “الكنيست” الإسرائيلي تهدد بتقويض وجودها وعملها الإنساني. هذا التصعيد التشريعي يأتي بعد شهرين فقط من إغلاق ست مدارس تابعة للوكالة في القدس، ما يسلط الضوء على سياسة ممنهجة تستهدف الأونروا كمؤسسة وعلى اللاجئين الفلسطينيين كمجتمع.
200 ألف لاجئ مهدد
في بيانها، حذّرت الأونروا من أن أكثر من 200 ألف لاجئ فلسطيني يعتمدون على خدماتها في القدس الشرقية أصبحوا مهددين بفقدان تلك الخدمات الحيوية، مثل التعليم والرعاية الصحية والإغاثة الاجتماعية، بعد أن جرى الإعلان عن مشروع قانون إسرائيلي يتضمن مقترحين رئيسيين يستهدفان منشآت الأونروا. الأول، منع مزودي الخدمات الإسرائيليين من تزويد مرافق الأونروا بالماء والكهرباء، وهو ما يعادل خنقًا إداريًا وتشغيليًا للوكالة. أما المقترح الثاني، فيسعى إلى مصادرة الأراضي التي تضم مكاتب ومرافق حيوية للوكالة مثل مكتب إقليم عمليات الضفة الغربية في حي الشيخ جراح ومركز تدريب قلنديا، دون الحاجة إلى اتباع أي مسار قانوني تقليدي.
هذه الخطوات تُقرأ في سياق أوسع من التصعيد الإسرائيلي ضد المؤسسات الدولية العاملة في القدس، ضمن مساعٍ واضحة لتقليص الدور الأممي في المدينة وطمس طابعها الفلسطيني، خصوصًا في ظلّ الوضع القانوني الحساس الذي تفرضه قرارات الأمم المتحدة باعتبار القدس الشرقية أرضًا محتلة. ويبرز خطر هذه التعديلات في كونها تقوض ليس فقط قدرة الأونروا على تنفيذ ولايتها التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، بل تهدد أيضًا المبادئ الأساسية التي تضمنتها مواثيق القانون الدولي، بما في ذلك اتفاقيات جنيف وميثاق الأمم المتحدة.
حماية الحيز الإنساني
الأونروا شدّدت في بيانها على أن منشآتها محمية بموجب امتيازات وحصانات الأمم المتحدة، وهو ما يعني أن أي محاولة للمساس بها أو بممتلكاتها يُعد انتهاكًا صارخًا للاتفاقيات الدولية التي تلتزم بها إسرائيل بصفتها عضوًا في المنظمة الدولية. ووصفت الإجراء المقترح في الكنيست بأنه “غير مسبوق”، ما يعكس القلق العميق من تحوّل المساعي الإسرائيلية إلى نهج دائم قد لا يقتصر على القدس بل يمتد ليشمل كافة مناطق عمل الأونروا في الأراضي المحتلة.
ولا شك أن هذه التعديلات تتجاوز نطاق الخلافات السياسية لتطال المجال الإنساني، الأمر الذي يضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليات متجددة. فوفق الأونروا، فإن حماية “الحيز الإنساني” الذي تتحرك ضمنه الوكالة هو واجب جماعي، لا سيما في ظل ازدياد الاحتياجات الإنسانية للاجئين الفلسطينيين وتفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في القدس الشرقية.
تضييق الخناق على الأونروا
التحذيرات الأممية المتكررة بشأن تضييق الخناق على الأونروا لم تلق استجابة جدية من معظم القوى الدولية حتى الآن، وهو ما يزيد من احتمالية تفاقم الأزمة. وفي حال تمرير هذه القوانين، فإن سابقة خطيرة ستُسجل في سجل العلاقات الإسرائيلية-الأممية، وقد تفتح الباب أمام خطوات مماثلة في مناطق أخرى، ليس فقط ضد الأونروا، بل أيضًا ضد أي حضور دولي غير مرغوب فيه من قبل سلطات الاحتلال.
إن جوهر هذا التصعيد يكشف أن الصراع حول القدس لم يعد مقتصرًا على السيطرة السياسية أو الدينية، بل بات يشمل أيضًا البعد الإنساني والاجتماعي، حيث يتم استخدام الأدوات التشريعية من أجل إحكام الخناق على السكان الفلسطينيين وتجفيف المؤسسات التي تخفف عنهم آثار الاحتلال. لذا، فإن استمرار صمت المجتمع الدولي سيكون بمثابة ضوء أخضر لمزيد من الإجراءات الأحادية التي تمس الحقوق الأساسية للاجئين وتخرق الأعراف الدولية، الأمر الذي ينذر بتقويض الجهود الأممية في تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار في واحدة من أكثر المناطق توترًا في العالم.




