أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض تعريفة جمركية بنسبة 25% على أي دولة تتعامل تجاريًا مع إيران، في خطوة مفاجئة اتسمت بلهجة تصعيدية واضحة، لكنها تركت أسئلة أكثر من الإجابات. فبعيدًا عن الصيغة العقابية المباشرة، يبدو القرار جزءًا من مقاربة أوسع تستخدم فيها واشنطن الأدوات الاقتصادية كبديل عن المواجهة العسكرية.
ترامب، الذي نشر القرار عبر منصته “تروث سوشيال”، لم يقدّم تفاصيل تقنية حول نطاق التعريفة أو آليات تطبيقها، مكتفيًا برسالة سياسية حادة مفادها أن أي تعامل مع إيران سيترتب عليه ثمن اقتصادي مباشر في السوق الأمريكية. هذا الغموض المتعمّد يعكس، وفق مراقبين، رغبة في تعظيم الأثر الردعي دون الدخول في التزامات قانونية دقيقة منذ اللحظة الأولى.
ضغط اقتصادي في لحظة اضطراب داخلي
يأتي القرار في وقت تواجه فيه إيران واحدة من أطول وأعنف موجات الاحتجاجات المناهضة للحكومة منذ سنوات، وسط تقارير عن مقتل الآلاف واعتقال أكثر من عشرة آلاف شخص. وفي ظل استبعاد واشنطن العلني للخيار العسكري، تبدو التعريفة الجمركية أداة ضغط بديلة تهدف إلى خنق الموارد المالية للنظام الإيراني، لا سيما تلك التي تمر عبر قنوات غير رسمية.
وتدرك الإدارة الأمريكية أن الاقتصاد الإيراني، رغم العقوبات، لا يزال يتنفس عبر شبكة تجارة معقدة، في مقدمتها صادرات النفط إلى الصين، التي تمثل الشريان الأهم للإيرادات غير المعلنة لطهران.
لماذا الصين في قلب العاصفة؟
تُعد الصين المتضرر الأكبر المحتمل من القرار. فبحسب بيانات تتبع الطاقة، استحوذت بكين على نحو 80% من صادرات النفط الخام الإيرانية خلال العام الماضي، عبر شبكة من “الأساطيل السرية” وعمليات النقل من سفينة إلى أخرى، مع إعادة تصنيف الشحنات على أنها قادمة من دول ثالثة.
وتشير تقديرات أمريكية إلى أن هذه التجارة غير الرسمية توفر لإيران ما يصل إلى 43 مليار دولار سنويًا، وهو دخل حيوي يمكّن طهران من الصمود أمام العقوبات والتضخم وانهيار العملة. ومن هنا، لا يستهدف قرار ترامب إيران وحدها، بل يضرب الحلقة الأهم التي تربطها بالاقتصاد العالمي.
أكثر من نفط… شبكة مصالح كاملة
لا تقتصر العلاقات الاقتصادية بين إيران والصين على النفط. فالصين تستقبل أكثر من ثلث الصادرات الإيرانية غير النفطية، بينما تؤمن ما يقرب من 40% من واردات إيران من السلع. هذا التشابك يجعل أي تعريفة أمريكية إضافية بنسبة 25% عبئًا مباشرًا على الشركات الصينية التي تعتمد على السوق الأمريكية.
وفي حال تطبيق الرسوم الجديدة على نطاق واسع، قد ترتفع التعريفات الإجمالية على الصادرات الصينية إلى مستويات تفوق 45%، ما يضعف قدرتها التنافسية ويعيد شبح الحرب التجارية التي جرى تعليقها مؤقتًا في أكتوبر الماضي.
تهديد لهدنة هشة
يُنظر إلى خطوة ترامب على أنها تهديد مباشر للهدنة التجارية الهشة بين واشنطن وبكين، والتي قامت على تجميد متبادل للتصعيد: تعليق زيادات الرسوم، وتخفيف قيود المعادن النادرة، واستئناف مشتريات أمريكية زراعية. إعادة فتح جبهة الرسوم عبر بوابة إيران قد تطيح بهذه التفاهمات في أي لحظة.
ولم يتأخر الرد الصيني، إذ وصفت بكين التعريفة الجديدة بأنها “عقوبات أحادية غير مشروعة”، متعهدة بحماية مصالحها الوطنية. ويحذر محللون من أن أي رد انتقامي صيني قد يمتد إلى قطاعات حساسة، ويؤدي إلى اضطراب أوسع في سلاسل التوريد العالمية.
شركاء آخرون في دائرة الخطر
إلى جانب الصين، قد تطال تداعيات القرار شركاء تجاريين رئيسيين آخرين لإيران، مثل تركيا والهند والإمارات وباكستان، وهي دول تشير تقارير إلى أن بعض كياناتها تلعب دور الوسيط في تجارة النفط الإيرانية الخاضعة للعقوبات. إدخال هذه الدول في معادلة التعريفة يفتح الباب أمام توترات دبلوماسية جديدة، ويضع واشنطن أمام اختبار صعب في موازنة الضغط مع الحلفاء.
رسالة سياسية بأكثر من عنوان
في المحصلة، لا تبدو تعريفة ترامب مجرد إجراء تجاري، بل رسالة سياسية متعددة الاتجاهات: إلى طهران بأن مواردها ليست بمنأى عن الاستهداف، وإلى بكين بأن شراكتها مع إيران باتت عبئًا استراتيجيًا، وإلى الداخل الأمريكي بأن واشنطن تملك أدوات ضغط فعالة دون الانجرار إلى حرب.
غير أن هذا النهج لا يخلو من المخاطر. فتصعيد الضغوط الاقتصادية في لحظة احتقان عالمي قد يفتح أبواب ردود فعل غير محسوبة، سواء في أسواق النفط، التي شهدت بالفعل ارتفاعًا ملحوظًا، أو في العلاقات التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح هذه التعريفة في خنق إيران، أم تتحول إلى شرارة مواجهة اقتصادية أوسع مع الصين؟






