تشهد الأغوار الشمالية في الضفة الغربية، تحولاً متسارعاً في طبيعة الصراع على الأرض، لم يعد يقتصر على السيطرة العسكرية المباشرة، بل امتد ليطال البنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات الفلسطينية، وفي مقدمتها قطاع الثروة الحيوانية. فمع تصاعد ظاهرة الاستيطان الرعوي، وتوسّع البؤر الاستعمارية، تتآكل المساحات الرعوية تدريجياً، ما يضع نمط الحياة التقليدي القائم على الرعي أمام تهديد وجودي غير مسبوق.
تكشف الوقائع الميدانية، كما تعكسها قصص مربي الماشية في الأغوار الشمالية، عن انتقال الصراع إلى مستوى أكثر تعقيداً، حيث تُستخدم الأرض كأداة لإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والاقتصادي، عبر تقليص مساحات المراعي، وفرض كلفة معيشية مرتفعة على السكان، تدفعهم تدريجياً إلى الانسحاب أو تغيير نمط حياتهم. وفي هذا السياق، لم تعد الأرقام المتعلقة بتراجع أعداد المواشي أو تقلص الأراضي الرعوية مجرد مؤشرات اقتصادية، بل أصبحت دليلاً ملموساً على سياسة ممنهجة تستهدف إضعاف مقومات الصمود الفلسطيني.
تقويض فرص الاستقرار والتنمية
في ضوء ذلك، تبدو الأغوار الشمالية اليوم نموذجاً مكثفاً لصراع يتجاوز حدوده المحلية، ليعكس مساراً متكاملاً لإعادة توزيع الأرض وفرض وقائع جديدة، تقوّض فرص الاستقرار والتنمية، وتضع المجتمعات المحلية أمام خيارات قاسية بين البقاء في ظروف متدهورة أو الرحيل القسري.
“ظل للفلسطينيين في الأغوار الشمالية ما يتراوح بين 2-3% من مساحة المراعي. كان ما بين 25-30 ألف رأس ماشية، في 22 تجمعا بدويا منتشرا في الأغوار الشمالية. ومع إفراغ عدد من التجمعات الفلسطينية بشكل كامل من الشريط الشرقي لمحافظة طوباس بفعل إرهاب المستعمرين، تناقص عدد المواشي في تلك المنطقة ليصل إلى ما بين 15-18 ألف رأس ماشية في عشرة تجمعات. حسب تصريحات مدير زراعة الأغوار الشمالية عمر صوافطة لوكالة وفا.
في مدينة طوباس سهل خصب تصل مساحته التقريبية حوالي خمسة آلاف دونم، كان حتى عقد من الزمان يُزرع بأصناف متنوعة من المحاصيل البعلية والتي تصبح صيفا مرتعا لآلاف رؤوس الماشية التي كانت ترتحل مع العائلات الفلسطينية من الأغوار إلى طوباس صيفًا، تفاديًا للحرارة المرتفعة في الأغوار، قبل عودتها بداية الخريف.
خطورة ظاهرة الاستيطان الرعوي
ومنذ عشر سنوات دخل السهل طور الزراعة المروية، وبدت علامات التغيير واضحة عليه، من انتشار الدفيئات البلاستيكية، وتلاشي زراعة البقوليات، والمحاصيل البعلية فيها، ما أدى إلى تناقص في مساحة الأراضي التي يستفاد منها كمراع للماشية.
أدى هذا التغير إلى انتقال الرعي من ذلك السهل، إلى الجبال المحيطة في المدينة دون تأثير واضح على عدد المواشي. لكن في الشريط الشرقي دخلت هذه الثروة منذ عقد تقريبا، في مرحلة خطرة يمس وجودها بالأساس. فمع بروز ظاهرة الاستيطان الرعوي في مناطق الأغوار الشمالية، بدأت مساحة المراعي المتاحة للمواطنين الفلسطينيين بالتناقص.
يقول سمير عنبوسي، أحد الذين أجبروا على الخروج من تجمع يرزا شرق طوباس، أنه اضطر إلى بيع 50 رأس غنم، بالإضافة إلى 22 رأس بقر بسبب عدم مقدرته على تسريحها. وبعد انتقاله إلى منطقة “كشدة” غرب طوباس، ووضع ماشيته في بركس لانكماش مساحة المرعى المتوفرة له، أضطر أن يطعم ماشيته في الشهر بقيمة تصل إلى 6 آلاف شيقل.
هذه الانتكاسة في عدد المواشي في الأغوار الشمالية، هي نتيجة طبيعية لسيطرة المستعمرين من 16 بؤرة رعوية، منها 9 مأهولة بالمستعمرين، حسب قول الناشط الحقوقي عارف دراغمة، على آلاف الدونمات الرعوية.
انتهاكات الاحتلال والمستعمرين
وأصبحت، حسب “زراعة الأغوار”، حوالي 200 ألف دونم من المناطق الرعوية في الأغوار الشمالية “معزولة” بفعل اعتداءات المستعمرين، ومشروع “الخيط القرمزي” الذي أعلن عنه الاحتلال الإسرائيلي نهاية العام الماضي، والذي يهدف إلى شق طريق بطول 22 كيلومترا بدءا من حاجز عين شبلي، وصولا إلى ما قبل حاجز تياسير من الجهة الغربية لمحافظة طوباس.
مجمل مساحة الأراضي الخاضعة لإجراءات استعمارية إسرائيلية 2400 كيلومتر مربع، لا تشمل الأراضي المخطط لعزلها بواسطة جدار الفصل والتوسع العنصري. وحسب تقرير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عن انتهاكات الاحتلال والمستعمرين العام الماضي. التناقص في مساحة المراعي أثقل كاهل المزارعين في الأغوار الشمالية، الذين باتوا يخصصون مبالغة باهظة لإطعام مواشيهم.
“احتاج في الأسبوع طنا من الأعلاف ثمنها يصل حوالي 1500 شيقل، لإطعام ماشيته. ما يزيد هذا الثقل المادي على مربي الثروة الحيوانية، أن معظم سلالات الماشية التي يربيها المواطنون تعتمد على الرعي في المراعي، ولا تفضل الإبقاء في الحظائر المغلقة” حسب تصريحات شامخ دراغمة الكلام لوكالة وفا.
سلطات الاحتلال خصصت 16733 دونما من الأراضي التي تم الاستيلاء عليها سابقا لصالح رعي المستعمرين، في خطوة تكشف عن تطور خطير في أدوات السيطرة، حيث جرى تحويل النشاط الزراعي والرعوي إلى وسيلة استعمارية نشطة للاستيلاء على الأرض. ومن هذه الأوامر العسكرية، أمر يستهدف ما مجموعه 8700 دونم من أراضي مدينة طوباس. حسب تقرير صادر عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.
الاحتلال ينتقل من إدارة السيطرة إلى فرضها
خلال عام 2025 نفذت قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستعمرون ما مجموعه 23827 اعتداء بحق المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم في مختلف المحافظات، في رقم قياسي يعكس انتقال سياسات الاحتلال من إدارة السيطرة إلى فرضها كمنظومة حكم قسرية مكتملة الأركان. وفقا لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان.
من بين تلك الاعتداءات كان 1382 اعتداءً استهدفت الأراضي والمزروعات، بما يكشف عن نمط من العنف المنهجي الذي لا يقتصر على الردع أو العقاب، بل يستهدف تفكيك مقومات الحياة الفلسطينية ذاتها.
وتفرض سلطات الاحتلال سيطرتها الفعلية على نحو 41% من مجمل مساحة الضفة الغربية، وتُحكم قبضتها على ما يقارب 70% من المناطق المصنّفة (ج)، وتستأثر بما يزيد على 90% من مساحة الأغوار الفلسطينية عبر منظومة متكاملة من الأوامر العسكرية وإجراءات نزع الملكية، لم تعد الأرقام توصيفاً محايداً للواقع، بل دليل مادي على مشروع سياسي استعماري يستهدف إعادة تعريف الجغرافيا الفلسطينية، وتقويض أي إمكانية واقعية لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.





