يعكس الجدل المتجدد حول حق الجنسية بالولادة في الولايات المتحدة واحدة من أكثر المعارك الدستورية والسياسية تعقيدًا منذ سنوات.
وعلى الرغم من امتلاك الرئيس الأميركي دونالد ترمب نفوذًا واسعًا داخل الحزب الجمهوري، فإن مساعيه لإلغاء هذا الحق تصطدم بحاجز دستوري يصعب تجاوزه، ما يحول القضية من مجرد خلاف سياسي حول سياسات الهجرة إلى اختبار حقيقي لحدود صلاحيات الرئيس، واستقلال القضاء، وآليات تعديل الدستور الأميركي.
وبين الضغوط السياسية التي يمارسها ترمب على الكونغرس والقيود التي تفرضها المحكمة العليا، تبدو فرص تغيير هذا الحق محدودة، مهما بلغت قوة التأييد الحزبي للرئيس.
ترمب بين ضغوط السياسة وحدود الدستور
عندما يطلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب من حزبه في الكونغرس دعم أجندته، يتسابق الجمهوريون لاسترضائه. لكن الأمر مختلف في قضية حق الجنسية بالولادة. فهذا الحق مضمون في الدستور الأميركي، وتحديدًا في التعديل الرابع عشر، وهو ما جعل المحكمة العليا، رغم أغلبيتها المحافظة، تقف ضد القرار التنفيذي الذي أصدره ترمب لإلغاء هذا الحق.
أثار قرار المحكمة غضب ترمب، لكنه لم يتراجع عن موقفه، بل تعهد بمواصلة الضغط من أجل إعادة النظر في الحكم، كما طالب الكونغرس بالتحرك لتحقيق هدفه. إلا أن الواقع السياسي داخل واشنطن يجعل هذه المهمة أكثر تعقيدًا مما يطرحه الرئيس، في ظل انقسامات حزبية حادة وصعوبة تمرير تشريعات كبرى خلال موسم انتخابي حساس.
ويرى بعض الجمهوريين أن المسألة يمكن حلها عبر تشريع جديد يمنع منح الجنسية للأطفال المولودين في الولايات المتحدة لآباء موجودين بصورة غير قانونية أو لزائرين مؤقتين، معتبرين أن الكونغرس يمتلك صلاحية معالجة الملف من خلال قانون اتحادي.
مشاريع جمهورية تصطدم بالعقبة الدستورية
في هذا السياق، تقدم السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام بمشروع قانون في مجلس الشيوخ، بالتوازي مع مشروع مماثل للنائب براين بابين في مجلس النواب، فيما طرح عدد من الجمهوريين، بينهم السيناتور برني مورينو والنائب جون مغواير، مقترحات أخرى تصب في الاتجاه ذاته.
لكن العقبة لا تقتصر على الحاجة إلى تأمين 60 صوتًا في مجلس الشيوخ لتجاوز التعطيل الديمقراطي، بل تمتد إلى مضمون قرار المحكمة العليا نفسه، الذي حمل تفسيرًا دستوريًا بالغ الأهمية.
فقد اعتبر خمسة من أصل تسعة قضاة أن القضية تتعلق بتفسير الدستور، وليست مجرد مسألة تشريعية يمكن للكونغرس تعديلها بقانون عادي، بينما رأى القاضي بريت كافاناه أنها تندرج ضمن الإطار القانوني. ويعني هذا الانقسام أن الأغلبية القضائية تميل إلى اعتبار أي تغيير لهذا الحق مرتبطًا بإجراءات تعديل الدستور، وليس بإصدار تشريع جديد.
تعديل دستوري شبه مستحيل
عندما تصنف المحكمة العليا القضية على أنها دستورية، فإن ذلك يعني أن تعديلها يستوجب اتباع الآلية المنصوص عليها في الدستور الأميركي، وهي واحدة من أكثر الإجراءات تعقيدًا في النظام السياسي الأميركي، إذ تتطلب موافقة ثلثي أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، ثم تصديق 38 ولاية من أصل 50 على التعديل.
وقد ذكّر السيناتور الجمهوري جون كورنين بهذه الحقيقة عبر منشور على منصة “إكس”، أوضح فيه أن أي تعديل دستوري لا يصبح نافذًا إلا بعد استيفاء هذه الشروط الصارمة، في رسالة فُهمت على نطاق واسع باعتبارها اعترافًا بصعوبة، إن لم تكن استحالة، تحقيق ما يسعى إليه ترمب.






