تدخل المواجهة الأمريكية الإيرانية فصلاً كلاسيكياً من فصول حرب الاستنزاف الشاملة، مع انتقال الثقل الميداني من الصدام العسكري المباشر إلى ساحة خنق الشرايين الاقتصادية. فبعد مرور نحو ستة أشهر على اندلاع الصراع الذي أشعلت فتيله الضربات الإسرائيلية الأمريكية، تستعد إدارة الرئيس دونالد ترامب عبر وزارة الخزانة لإطلاق حزمة عقوبات تصفها بالأشد تاريخياً، في محاولة لإعادة تشديد الخناق المالي على طهران، بالتوازي مع التدخل لحماية أسواق السندات المحلية وتسكين التخوفات الاقتصادية بواشنطن. غير أن هذا التوجه المحاط بتحذيرات ترامب الصريحة لكل من يقدم رئة أكسجين اقتصادية لإيران، يضع العالم أمام معادلة قاسية ترغم القوى الإقليمية والدولية على اختيار تموضعها الحرج بين الخضوع لضغط الامتثال الأمريكي أو تحمل التبعات العقابية.
قبضة واشنطن وتحول التكتيك
لا تنفصل التحركات الأمريكية الأخيرة عن مسعى البيت الأبيض لفرض تسوية بشروط واشنطن دون الانزلاق الكامل نحو حرب استنزاف عسكرية واسعة؛ إذ يراهن صناع القرار في واشنطن على أن الضغط الاقتصادي يمثل أداة الردع الأقل كلفة لإجبار طهران على العودة إلى طاولة التفاوض. ومع ذلك، فإن الإبقاء على خيار القوة العسكرية حياً في الخطاب الأمريكي، بالتوازي مع محاولات فرض السيطرة على حركة الملاحة في محيط مضيق هرمز، يخلق انقساماً ضمنياً داخل الإدارة الأمريكية حول حدود الجمع بين أدوات الضغط المالي والتلويح بالخيار العسكري، خصوصاً وأن سوق الطاقة العالمي يبدي حساسية مفرطة تجاه أي تعثر في سلاسل الإمداد.
عقيدة الرد الإيراني.. “الزلزال” مقابل الحصار
في المقابل، تبدو طهران مصممة على تطبيق استراتيجية التصعيد المتبادل، حارمة واشنطن من تحويل العقوبات إلى مسار أحادي الجانب. فتصريحات أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي بتصنيف أي دولة تتجاوب مع العقوبات الأمريكية في خانة “الأعداء”، والتهديد المباشر بضرب مصالح وشركات النفط الأمريكية في المنطقة، تنقل العقيدة الدفاعية الإيرانية من مربع الاكتفاء باستهداف القواعد العسكرية إلى تلويح مباشر بإحداث “زلزال” اقتصادي إقليمي. وتستند إيران في هذا التحدي إلى يقينها بأن شل حركة شحنات النفط عبر مضيق هرمز يمثل أداة ضغط استراتيجية تصعب على الأسواق الغربية تحمل تبعاتها لفترات طويلة.
دبلوماسية الديون واستثناءات الملاحة
وعلى جانب آخر، تعيد طهران ترتيب أوراقها الإقليمية لتفكيك الحصار من بوابة الجوار؛ إذ تكشف زيارة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد عن تكتيك مزدوج يربط بين السماح للملاحة النفطية العراقية بالمرور عبر هرمز وبين تحصيل ديون الغاز والكهرباء المتراكمة البالغة 12 مليار دولار. هذا الاستثناء المشروط يوضح رغبة طهران في خلق مسارات تنفس اقتصادية محددة تضمن بها تدفق الأموال وتثبيت نفوذها، في وقت تبدأ فيه التداعيات الجيوسياسية في إلقاء ظلالها على البعثات الدبلوماسية، كما تجسد في إعلان تشيلي إغلاق سفارتها لأسباب أمنية واقتصادية.
إن المشهد الراهن يؤكد أن كلاً من واشنطن وطهران ترفضان تقديم تنازلات ملموسة لبدء المفاوضات، لتتجه المنطقة بخطى حثيثة نحو معركة كسر عظام اقتصادية وميدانية مفتوحة، لن تقتصر آثارها على طرفي النزاع بل ستطال استقرار أسواق الطاقة والتجارة الدولية برمتها.






