يقدّم الكاتب والمحلل الأوروبي بافلو جوفنرينكو قراءة حادة ومباشرة للحرب الروسية على أوكرانيا، يرفض فيها توصيفها كـ«نزاع إقليمي» أو «أزمة أمنية قابلة للحل عبر التسويات». فبحسب رؤيته، ما يجري هو حرب وجود تستهدف أوكرانيا كدولة وشعب، وليست مجرد خلاف جيوسياسي يمكن احتواؤه بضمانات أو تفاهمات دبلوماسية.
يرى جوفنرينكو أن الخطاب الروسي الرسمي حول «اجتثاث النازية» ليس سوى غطاء أيديولوجي لمشروع أعمق يقوم على محو الهوية الأوكرانية وإنهاء وجودها السياسي. وفي هذا السياق، فإن أي حديث عن ضمانات أمنية تُنتزع من موسكو لا يعدو كونه تأجيلًا لصدام قادم، لا طريقًا إلى سلام دائم.
ويستند الكاتب إلى سجل روسيا الطويل في خرق الاتفاقيات، معتبرًا أن انتهاك التعهدات ليس سلوكًا طارئًا في السياسة الروسية، بل نهجًا ثابتًا. فمن مذكرة بودابست إلى الاتفاقيات الثنائية مع أوكرانيا وجورجيا ومولدوفا، وصولًا إلى القانون الدولي الإنساني، يخلص جوفنرينكو إلى أن الكرملين لا يعترف بالاتفاق إلا ما دام يخدم مصالحه الإمبريالية. وعليه، فإن الرهان على التزام روسي جديد ليس تفاؤلًا سياسيًا، بل شكل من أشكال خداع الذات.
ينتقد الكاتب بشدة فكرة «الضمانات الأمنية» كما تُطرح في بعض الأوساط الأوروبية، معتبرًا أنها تبدو منطقية نظريًا فقط. فروسيا، وفق تحليله، لا تنظر إلى أوكرانيا كفاعل سيادي كامل، ولا تعترف بحقها في الوجود المستقل، ما يجعل أي التزام مكتوب بلا قيمة ردعية حقيقية. حتى الوجود العسكري الأجنبي، برأيه، لا يشكّل ضمانة تلقائية، مستشهدًا بتجربة فرنسا عام 1940، حين لم تمنع الاتفاقيات والقوات الحليفة كارثة عسكرية كبرى.
ويحذّر جوفنرينكو من أن اعتماد الخصوم على النصوص والمعاهدات وحدها يبعث برسالة ضعف إلى المعتدي، تشجعه على المضي قدمًا في سياساته العدوانية. ومن هنا، ينتقل الكاتب إلى نقد ما يصفه بـ«الخطأ الجوهري» لدى عدد من الساسة الأوروبيين، والمتمثل في التعامل مع الحرب على أنها مأساة أوكرانية محلية.
في المقابل، يؤكد أن روسيا تخوض بالفعل حربًا شاملة ضد أوروبا، تتخذ أشكالًا متعددة: حربًا هجينة، وإعلامية، وطاقوية، وتخريبية، إضافة إلى الحرب العسكرية المباشرة على الأراضي الأوكرانية. وبهذا المعنى، لا تمثل أوكرانيا سوى خط المواجهة الأول في حرب أوروبية أوسع لم تعترف بها القارة بعد بشكل كامل.
انطلاقًا من هذا التشخيص، يعيد جوفنرينكو صياغة سؤال «الضمانات الأمنية» جذريًا: فالقضية ليست كيفية حماية أوكرانيا فقط، بل كيف يمكن لأوروبا أن تتجنب خسارة حرب دخلتها بالفعل. ويرى أن سقوط أوكرانيا، أو فرض «سلام زائف» عليها، سيجعل القارة الأوروبية الهدف التالي المباشر للضغط والابتزاز الروسي.
وبناءً عليه، يطرح الكاتب تصورًا مغايرًا للضمانات، لا يقوم على التوقيعات والبيانات، بل على إجراءات ردعية ملموسة تجعل أي عدوان روسي جديد مكلفًا إلى حد الاستحالة. ويشمل ذلك، بحسب طرحه، بناء فضاء دفاعي أوروبي-أوكراني مشترك، وتطوير سياسة دفاعية موحدة، ونشر أنظمة دفاع جوي وصاروخي متكاملة، وفرض سماء مغلقة مشتركة، إلى جانب دعم عسكري وتكنولوجي طويل الأمد لأوكرانيا باعتبارها ركيزة أساسية للأمن الأوروبي.
ويؤكد جوفنرينكو أن الضمانة الواقعية الوحيدة القائمة حاليًا هي القوات المسلحة الأوكرانية والشعب الأوكراني، اللذان يدفعان الثمن الأكبر في مواجهة الجيش الروسي. غير أنه يحذر من أن تحميل أوكرانيا وحدها عبء الدفاع عن أوروبا ليس استراتيجية، بل تهرب من الواقع.
وفي هذا السياق، يربط الكاتب موقفه بالنقاش الدائر حول دور الولايات المتحدة، معتبرًا أن توصيف واشنطن للحرب باعتبارها «حربًا أوروبية» يقود منطقيًا إلى نتيجة واحدة: على الأوروبيين تولي مسؤولية احتواء روسيا بأنفسهم. لا عبر الناتو الذي تعرقله حسابات سياسية أمريكية، بل من خلال إرادة دفاعية أوروبية مستقلة وقادرة.
ويخلص جوفنرينكو إلى أن أوروبا القوية والمنظمة عسكريًا، القادرة على حماية أجوائها ودعم أوكرانيا، لن تكون عبئًا على الولايات المتحدة، بل شريكًا مرغوبًا فيه. فذلك لا يعني إضعاف الغرب، بل تعزيز تماسكه وتقاسم المسؤولية داخله.
يؤكد الكاتب أن السلام مع روسيا ممكن، ولكن ليس على أساس الثقة أو النوايا الحسنة، بل على أساس القوة والردع والاعتراف بأن الحرب أصبحت بالفعل حربًا أوروبية شاملة. فالضمانات الأمنية، في نظره، ليست نصوصًا قانونية، بل القدرة الفعلية على جعل أي حرب جديدة خيارًا انتحاريًا للمعتدي. والسؤال الذي يطرحه في النهاية موجّه إلى أوروبا قبل غيرها: هل هي مستعدة للدفاع عن أوكرانيا بوصفه دفاعًا عن مستقبلها هي، لا كمجرد تضامن أخلاقي، بل كضرورة استراتيجية لا تحتمل التأجيل؟






