بينما تتجه الأنظار إلى صناديق الاقتراع في إسرائيل، تبدو فرص التغيير الإيجابي بالنسبة إلى الفلسطينيين محدودة، في ظل استمرار الخطاب السياسي المعادي لهم وتصاعد الوعود بتوسيع الاحتلال وتشديد الإجراءات في الأراضي الفلسطينية. هذا ما حذّرت منه منظمة العفو الدولية، التي دعت المجتمع الدولي إلى تجاوز الاكتفاء بمراقبة نتائج الانتخابات، والتحرك باستخدام أدوات الضغط الدبلوماسي والاقتصادي لوقف الانتهاكات وضمان احترام القانون الدولي.
وقالت إريكا غيفارا روساس، مديرة البحوث والمناصرة والسياسات العالمية في المنظمة، إن الفلسطينيين لا يكادون يتوقعون أن تفضي الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية المقررة الثلاثاء المقبل إلى تحسن ملموس في أوضاع حقوق الإنسان.
وفي بيان نشرته السبت، أشارت روساس إلى أن الناخبين الإسرائيليين يتعرضون خلال الحملات الانتخابية لخطابات مناهضة للفلسطينيين، تترافق مع تهديدات بتصعيد ممارسات وصفتها بأنها قد ترقى إلى جرائم بموجب القانون الدولي، في سياق السعي إلى تحقيق مكاسب سياسية.
وتضع المنظمة بذلك الانتخابات الإسرائيلية أمام اختبار يتجاوز التنافس الحزبي على السلطة، ليشمل تداعيات الخطاب السياسي والقرارات المحتملة للحكومة المقبلة على ملايين الفلسطينيين، فضلاً عن سكان دول أخرى في المنطقة.
من صناديق الاقتراع إلى الأرض.. الاحتلال في قلب المعركة السياسية
بحسب منظمة العفو الدولية، لم يعد الخطاب الذي يشيطن الفلسطينيين مجرد أداة للتعبئة الانتخابية، بل بات يترافق مع وعود بتوسيع الاحتلال في الضفة الغربية المحتلة وتهديدات بزيادة الدمار في قطاع غزة، الذي لا يزال يعاني آثار الحرب والكارثة الإنسانية المستمرة.
وحذّرت روساس من أن الحملات الانتخابية تشهد استمراراً للخطابات التي تنزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين، إلى جانب مواقف سياسية تدفع نحو تشديد الإجراءات المفروضة عليهم بدلاً من العمل على إنهاء الانتهاكات وضمان حقوقهم الأساسية.
ويثير هذا المسار مخاوف من أن تتحول المنافسة الانتخابية إلى عامل إضافي لتكريس السياسات القائمة، خصوصاً عندما يصبح التشدد تجاه الفلسطينيين وسيلة لاستقطاب الناخبين وتعزيز فرص الأحزاب في الوصول إلى السلطة أو الاحتفاظ بها.
وترى المنظمة أن خطورة هذه التصريحات لا تكمن في مضمونها السياسي فحسب، بل أيضاً في احتمال ترجمتها إلى إجراءات ميدانية تزيد من معاناة السكان وتفاقم الانتهاكات في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
الضفة الغربية والقدس الشرقية.. التهجير مستمر
وفي الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلتين، سلّطت المنظمة الضوء على استمرار تهجير الفلسطينيين، محذّرة من أن نتائج الانتخابات قد تنعكس على مستقبل السياسات الإسرائيلية في هذه المناطق، ولا سيما في ظل الدعوات إلى توسيع الاحتلال.
وتثير هذه المخاوف تساؤلات بشأن مصير التجمعات السكانية الفلسطينية التي تواجه ضغوطاً متزايدة، في وقت تتصاعد فيه الدعوات السياسية إلى اتخاذ خطوات إضافية على الأرض.
وبالنسبة إلى منظمة العفو الدولية، فإن استمرار هذه الممارسات يفرض على الدول الأخرى مسؤولية التحرك، بدلاً من التعامل مع نتائج الانتخابات باعتبارها شأناً سياسياً إسرائيلياً داخلياً لا يتجاوز حدود المنافسة على السلطة.
وتؤكد المنظمة أن تداعيات القرارات التي تتخذها الحكومة الإسرائيلية لا تتوقف عند حدود الأراضي الفلسطينية، بل تمتد إلى الاستقرار الإقليمي وإلى التزامات الدول باحترام القانون الدولي وحماية حقوق الإنسان.
غزة.. وقف إطلاق النار لم ينهِ المعاناة
أما في قطاع غزة، فتشير المنظمة إلى استمرار سقوط قتلى فلسطينيين رغم مرور عام على ما وصفته بـ«وقف إطلاق النار المزعوم»، بالتزامن مع توسيع المناطق المحظورة وتأجيل إعادة الإعمار إلى أجل غير محدد.
ولا تزال الأوضاع الإنسانية في القطاع تشكل أحد أبرز مصادر القلق، في ظل القيود المفروضة على دخول السلع والإمدادات، وما تسببه من صعوبات إضافية للسكان الذين يعتمد كثيرون منهم على المساعدات لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
وقالت روساس إن منع دخول السلع التجارية يجبر السكان على الانتظار في طوابير طويلة للحصول على المساعدات، في مشهد يعكس حجم الأزمة المعيشية التي يواجهها القطاع.
وأضافت أن حظر إدخال زيوت المحركات يفاقم بدوره الأوضاع الصحية المتدهورة أصلاً، مع ما قد يترتب على نقص هذه المواد من تأثيرات في تشغيل المعدات والخدمات الضرورية للحياة اليومية.
وفي ظل استمرار هذه الظروف، تحذّر المنظمة من أن تأجيل إعادة الإعمار وتقييد الإمدادات لا يتركان السكان أمام أزمة إنسانية آنية فحسب، بل يهددان أيضاً فرص التعافي وإعادة بناء البنية التحتية والخدمات الأساسية.
ملايين خارج صناديق الاقتراع.. لكنهم يدفعون الثمن
وشددت منظمة العفو الدولية على أن تأثير الانتخابات الإسرائيلية لن يقتصر على الناخبين داخل إسرائيل، بل سيمتد إلى ملايين الأشخاص في فلسطين ولبنان وسوريا، رغم أنهم لا يملكون حق المشاركة في هذا الاستحقاق الانتخابي.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل اتساع نطاق التداعيات الإقليمية للسياسات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، وما تتركه من آثار على السكان في مناطق النزاع.
وبينما يختار الناخبون الإسرائيليون ممثليهم، يجد الفلسطينيون وسكان مناطق أخرى في الإقليم أنفسهم أمام نتائج قرارات سياسية لا يملكون التأثير المباشر في تحديدها، رغم أن حياتهم وأمنهم وحقوقهم قد تتأثر بها بصورة مباشرة.
ومن هنا، تدعو المنظمة إلى التعامل مع الانتخابات باعتبارها محطة تستوجب مساءلة السياسات والقرارات، لا مناسبة تمنح الحكومة المقبلة تفويضاً مفتوحاً لمواصلة الممارسات التي تتعارض مع القانون الدولي.
حظر السلاح وتعليق اتفاقية الشراكة.. دعوة لاختبار جدية أوروبا
في مواجهة هذه المخاوف، طالبت منظمة العفو الدولية الدول المؤثرة باستخدام جميع الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية المتاحة للضغط على الحكومة الإسرائيلية المقبلة، بدلاً من الاكتفاء بإصدار التصريحات أو انتظار ما ستسفر عنه الانتخابات.
وشملت مطالب المنظمة تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، وفرض حظر على بيع الأسلحة إليها، وإنهاء أي تعاون قد يسهم في دعم استمرار الاحتلال غير القانوني للأراضي الفلسطينية.
وتضع هذه الدعوات الدول الأوروبية أمام سؤال يتعلق بمدى استعدادها لاستخدام علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع إسرائيل للتأثير في سلوك حكومتها، ولا سيما في ظل استمرار المخاوف بشأن الأوضاع الإنسانية في غزة والانتهاكات في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
كما تعيد المطالب فتح النقاش بشأن العلاقة بين المصالح الاستراتيجية والالتزامات القانونية للدول، ومدى إمكانية تحويل المواقف المعلنة بشأن حقوق الإنسان إلى إجراءات عملية ذات تأثير ملموس.
انتخابات قد تغيّر الحكومة.. لكن هل تغيّر واقع الفلسطينيين؟
مع اقتراب موعد الانتخابات، لا ترى منظمة العفو الدولية ما يكفي لتبرير التفاؤل بشأن حدوث تحول إيجابي في السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، في ظل استمرار الخطاب المعادي والتهديدات بتوسيع الاحتلال وتصعيد العمليات العسكرية.
ويبقى السؤال الأهم متعلقاً بما إذا كانت الحكومة المقبلة ستتجه إلى تغيير المسار القائم، أم ستواصل سياسات تزيد من الضغوط على الفلسطينيين وتعمّق الأزمة الإنسانية في غزة والتوترات في الضفة الغربية.
لكن المنظمة تحذّر من أن انتظار نتائج الانتخابات وحده لن يكون كافياً لضمان حماية الحقوق، مؤكدة ضرورة تحرك الدول المؤثرة للضغط على إسرائيل ومحاسبتها على الانتهاكات.
وفي نهاية المطاف، قد تحدد صناديق الاقتراع هوية الحكومة الإسرائيلية المقبلة، لكنها لن تحدد وحدها مصير ملايين الفلسطينيين الذين يواجهون تداعيات قراراتها. فبالنسبة إلى هؤلاء، لا تكمن المسألة في هوية الفائز بالانتخابات فحسب، بل في ما إذا كان هذا الفوز سيقود إلى تغيير ملموس على الأرض، أم سيكرّس واقعاً يزداد فيه الاحتلال والمعاناة رسوخاً.






