استشهد فلسطينيون، بينهم طفلة في السادسة من عمرها، وأصيب آخرون جراء غارات جوية وإطلاق نار إسرائيلي في مناطق متفرقة من قطاع غزة، السبت، بالتزامن مع قصف منازل وأراضٍ زراعية وإصدار أوامر إخلاء متلاحقة. ويأتي التصعيد رغم استمرار سريان اتفاق وقف إطلاق النار، وسط مخاوف من اتساع الهجمات وتفاقم الأوضاع الإنسانية في القطاع.
شهد قطاع غزة، السبت 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً شمل مدينة غزة ومناطق في وسط القطاع، وأسفر عن سقوط شهداء وجرحى، وفق مصادر محلية وطبية، فيما طالت الغارات منازل سكنية وأراضي زراعية بعد تحذيرات بإخلاء عدد من المواقع المستهدفة.
وأفادت المصادر بأن الطائرات الحربية الإسرائيلية نفذت سلسلة غارات متتابعة استهدفت خمسة مواقع على الأقل خلال نحو ساعتين، بينها أربعة منازل وأرض زراعية، بالتزامن مع استمرار إطلاق النار والقصف في مناطق أخرى من القطاع.
وتوزعت الهجمات بين أحياء مدينة غزة، ولا سيما المناطق الغربية والشرقية والشمالية، ومدينة دير البلح وسط القطاع، في وقت تواصلت فيه التحذيرات الإسرائيلية للسكان بضرورة إخلاء مواقع محددة ومحيطها.
ويثير تزامن هذه العمليات مع استمرار سريان اتفاق وقف إطلاق النار تساؤلات بشأن مدى صمود التهدئة وقدرتها على منع تجدد المواجهات، خصوصاً في ظل استمرار سقوط الضحايا واتساع نطاق الاستهدافات.
شهداء في مدينة غزة ووسط القطاع
في حصيلة الضحايا، أفادت مصادر محلية وطبية باستشهاد أربعة فلسطينيين وإصابة ستة آخرين إثر غارة نفذتها طائرة مسيّرة إسرائيلية استهدفت مجموعة من الفلسطينيين قرب دوار حيدر عبد الشافي، في محيط مجمع «باندا مول» غربي مدينة غزة.
كما سقط شهيد في قصف استهدف شارع يافا في حي التفاح شرقي المدينة، وفق المعلومات الواردة.
وفي حادثة أخرى، توفيت الطفلة شهد عبد الرزاق النجار، البالغة ست سنوات، متأثرة بجراح أصيبت بها، فيما استشهد موسى أبو دان متأثراً بإصابته في غارة إسرائيلية استهدفت منطقة مواصي خانيونس الجمعة.
وفي تطور ميداني لاحق، أفادت مصادر محلية باستشهاد وجدي الصوص، وهو من سكان مخيم البريج، إثر استهداف طائرة مسيّرة إسرائيلية دراجة كان يستقلها على شارع صلاح الدين، قرب صالة عابدين شرقي مخيم النصيرات وسط القطاع.
ولم تتضح في المعلومات المتاحة الحصيلة الإجمالية النهائية المحدثة لجميع هذه الاستهدافات، في ظل توالي التقارير عن سقوط ضحايا في مناطق متفرقة.
غارات مسائية وأوامر إخلاء متلاحقة
شهدت مدينة غزة، مساء السبت، سلسلة غارات جوية استهدفت مباني ومنازل في عدة أحياء، بعد إصدار الجيش الإسرائيلي تحذيرات بإخلاء المواقع المستهدفة ومناطق مجاورة لها.
وأفادت مصادر ميدانية بأن الطائرات الحربية قصفت بصاروخين بناية سكنية عند بداية شارع النصر غربي المدينة، بالقرب من صيدلية العائلات ومخبز العائلات، عقب توجيه إنذار بالإخلاء.
كما استهدفت غارة منزلاً لعائلة أبو شمالة قرب مدرسة الزهراء شرقي حي الدرج، فيما طالت غارة أخرى منزلاً لعائلة حسان قرب مسجد عائشة في منطقة التوام شمال غربي المدينة، بعد إخلائه استجابة للتحذير الإسرائيلي.
وفي شمال القطاع، قصفت الطائرات الإسرائيلية منزلاً غربي مخيم جباليا، عقب إصدار أمر بإخلائه، بالتزامن مع تحليق مكثف للطائرات الحربية والمسيّرة.
وترافقت هذه الهجمات مع تحذيرات إضافية بالإخلاء في محيط مفترق العائلات، قرب الموقع السابق لمطعم «إيطاليانو»، ما أثار مخاوف السكان من تجدد القصف واتساع نطاقه خلال ساعات الليل.
ويضع تتابع الإنذارات والغارات السكان أمام حالة متواصلة من عدم اليقين، خصوصاً في المناطق التي تعرضت للنزوح والدمار خلال الحرب، حيث تتقلص الخيارات المتاحة للانتقال إلى أماكن أكثر أمناً مع تزايد الاستهدافات.
دير البلح.. منازل مدمرة وأراضٍ زراعية تحت القصف
وفي وسط القطاع، شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية غارتين على الأقل في مدينة دير البلح، استهدفت إحداهما منزلاً لعائلة البحيصي في شارع التعابين، قرب روضة شمس النهار شمال مستشفى شهداء الأقصى، بعد صدور تحذير بإخلائه.
وأفادت مصادر محلية بأن الغارة دمرت المنزل بالكامل وألحقت أضراراً جسيمة بالمنازل المجاورة، من دون تسجيل إصابات في الموقع وفق المعلومات الأولية.
كما استهدفت غارة أخرى أرضاً زراعية قرب بركس أبو شعبان، شرقي شارع صلاح الدين، في منطقة تقع شرق دير البلح وبالقرب من مطاحن السلام، عقب تحذيرات بالإخلاء.
ويشير امتداد الضربات إلى مواقع سكنية وزراعية إلى اتساع نطاق المناطق المتأثرة بالتصعيد، مع ما يترتب على ذلك من أضرار للممتلكات ومخاطر إضافية على السكان ومصادر رزقهم.
كما تثير استهدافات الأراضي الزراعية مخاوف تتعلق بالأمن الغذائي، في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها القطاع، والحاجة المستمرة إلى الأراضي والموارد المتاحة لدعم الإنتاج المحلي.
وقف إطلاق النار تحت الضغط
يأتي التصعيد في وقت لا يزال فيه اتفاق وقف إطلاق النار سارياً، وفق المعطيات الواردة، ما يضع التطورات الميدانية أمام اختبار جديد بشأن قدرة التهدئة على الحد من العمليات العسكرية وحماية المدنيين.
فاستمرار الغارات وإطلاق النار وسقوط الضحايا، بالتزامن مع أوامر الإخلاء المتكررة، يعكس فجوة بين وجود الاتفاق على المستوى السياسي واستقرار الأوضاع على الأرض.
ولا تقتصر أهمية هذه التطورات على عدد الضحايا أو حجم الأضرار المباشرة، بل تمتد إلى مدى قدرة الأطراف المعنية على منع تجدد المواجهات، وضمان وصول المساعدات، وتوفير الحد الأدنى من الأمن للسكان.
وفي هذا السياق، تبقى طبيعة الالتزامات المتبادلة وآليات مراقبة تنفيذ الاتفاق، إلى جانب التعامل مع الخروقات الميدانية، عوامل أساسية في تحديد فرص استمرار التهدئة.
لكن تقييم المسؤولية عن كل حادثة، أو تحديد ما إذا كانت العمليات تشكل خرقاً لبنود الاتفاق، يتطلب الاطلاع على نص الاتفاق وآليات التحقق المعتمدة، فضلاً عن الروايات المتاحة من مختلف الأطراف.
المدنيون في مواجهة الإنذارات والقصف
تزيد أوامر الإخلاء المتلاحقة من الضغوط التي يواجهها سكان غزة، خصوصاً عندما تتزامن مع غارات متقاربة زمنياً وتطال مناطق مأهولة بالسكان.
فالإخلاء لا يضمن بالضرورة الوصول إلى مكان آمن، ولا سيما في قطاع محدود المساحة تعرضت أجزاء واسعة منه للدمار والنزوح المتكرر. كما أن التحذيرات القصيرة أو المتعاقبة قد تترك السكان أمام خيارات محدودة، خصوصاً الأطفال والمرضى وكبار السن والأسر التي فقدت مساكنها.
وتعني هذه الظروف أن تداعيات التصعيد لا تُقاس فقط بالخسائر البشرية المباشرة، بل تشمل أيضاً القلق المستمر، وتعطل الحياة اليومية، والأضرار التي تلحق بالمساكن والبنية التحتية والأنشطة الزراعية.
ومن ثم، فإن حماية المدنيين تتطلب أكثر من إصدار التحذيرات؛ إذ ترتبط كذلك بفعالية التدابير المتخذة لتجنب إلحاق الأذى بهم، وبمدى توافر أماكن آمنة فعلياً، وضمان وصول الخدمات الطبية والإغاثية.
هل تتجه غزة إلى جولة جديدة من التصعيد؟
يضع استمرار الغارات وسقوط الشهداء اتفاق وقف إطلاق النار أمام اختبار ميداني متزايد الصعوبة. فكلما تكررت الهجمات واتسعت المناطق المتأثرة بها، ازدادت المخاوف من أن تتحول الخروقات المتواصلة إلى مسار تصعيدي يصعب احتواؤه.
وفي المقابل، لا تكفي التطورات الميدانية وحدها للجزم بانهيار الاتفاق أو عودة الحرب الشاملة، إذ يتوقف ذلك على طبيعة العمليات خلال الفترة المقبلة، ومواقف الأطراف، ومدى فاعلية الجهود الرامية إلى تثبيت التهدئة.
وتبقى الأولوية العاجلة لوقف الهجمات التي تهدد المدنيين، وحماية السكان من تداعيات القصف والنزوح، وضمان استمرار عمل المرافق الطبية والإغاثية.
وفي المحصلة، تكشف أحداث السبت عن هشاشة الوضع الميداني في غزة، حيث يستمر سقوط الضحايا رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار. وبين الغارات المتلاحقة وأوامر الإخلاء واتساع الأضرار في المناطق السكنية والزراعية، يظل السؤال الأهم هو ما إذا كانت التهدئة ستصمد أمام التصعيد المتجدد، أم أن استمرار العمليات سيقود إلى تآكلها ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المواجهة، يدفع المدنيون كلفتها الأساسية.






