تعيش اليمن اليوم واحدة من أحلك مراحلها منذ اندلاع الحرب قبل نحو عقد من الزمن، ليس فقط بفعل النزاع المسلح والانهيار الاقتصادي، بل أيضاً نتيجة لتصاعد القيود والانتهاكات التي تطال العمل الإنساني، والتي كان آخرها الحملة الواسعة التي شنّتها جماعة الحوثي ضد موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية العاملة في مناطق سيطرتها. هذه التطورات تنذر بانهيار ما تبقّى من مظلة إنسانية يعتمد عليها أكثر من 20 مليون يمني في البقاء على قيد الحياة، في بلد يواجه أسوأ أزمة إنسانية في العالم.
في الأيام الأخيرة، أكدت مصادر إغاثية يمنية أن تصعيد الحوثيين لحملتهم ضد موظفي الأمم المتحدة، واحتلالهم مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها، يُعدّ تهديداً مباشراً لحياة أكثر من 3 ملايين شخص يحصلون على مساعدات غذائية شهرية. فمع ازدياد المخاطر الأمنية وغياب أي ضمانات لسلامة العاملين، باتت المنظمات الأممية أمام خيار صعب بين تعليق أنشطتها أو المجازفة ببقاء موظفيها في بيئة معادية وغير آمنة.
تهديد العمل الإغاثي.. تكريس أزمات اليمن
تشير تقارير العاملين في القطاع الإنساني إلى أن هذه التطورات تمثل «لحظة فاصلة» في مسار العمل الإغاثي داخل مناطق الحوثيين. فبعد اعتقال أكثر من 50 موظفاً أممياً ودولياً، والاستيلاء على مكاتب وأصول عدد من الوكالات، باتت الأمم المتحدة تراجع بدقة جدوى استمرارها في تلك المناطق. فكل محاولات الممثل المقيم للأمم المتحدة لإطلاق سراح الموظفين عبر التفاوض والوساطات فشلت، فيما لا يزال المعتقلون يواجهون خطر الإحالة إلى محاكم تابعة للجماعة بتهم فضفاضة تتعلق بـ«أمن الدولة والإرهاب».
تصعيد الحوثيين لم يتوقف عند حدود الاعتقالات، بل شمل أيضاً مصادرة الممتلكات، وفرض وصاية غير معلنة على عمليات توزيع المساعدات، ومحاولات منهجية لتوجيه المساعدات نحو مناطق أو فئات موالية لهم، في سلوك يعكس نزعة السيطرة والتحكم في الموارد الإنسانية وتحويلها إلى أداة سياسية وعسكرية. وبذلك، تُفرغ الجماعة العمل الإغاثي من معناه الإنساني وتحوله إلى وسيلة ابتزاز ومساومة، على حساب ملايين الجياع والمحرومين.
التحذيرات الدولية تزايدت على نحو لافت. فقد أعربت السفيرة البريطانية لدى اليمن عن قلقها الشديد من استمرار احتجاز موظفي الأمم المتحدة، مشيرة إلى أن «ملايين الأشخاص في شمال اليمن يحتاجون إلى مساعدات عاجلة لإنقاذ حياتهم، بينما يواجه الآلاف خطر المجاعة». ومع ذلك، تواصل الجماعة الحوثية – بحسب قولها – «مضايقة العاملين الإنسانيين وعرقلة وصول المساعدات المنقذة للحياة إلى الفئات الأشد ضعفاً»، وهو ما وصفته بأنه سلوك «غير إنساني يؤجج الأزمة ويعمق معاناة اليمنيين».
شبكة الإنذار المبكر تدق ناقوس الخطر
في المقابل، عبّرت الحكومة اليمنية عن إدانتها الشديدة لما وصفته بـ«جرائم الاختطاف والإخفاء القسري» التي تمارسها الميليشيا ضد العاملين في المنظمات الدولية. وزير الإعلام معمر الإرياني حذّر من أن هذه الانتهاكات تمثل تقويضاً متعمداً للعمل الإنساني، مشيراً إلى أن الجماعة تسعى لفرض وصايتها على النشاط الإغاثي وتحويله إلى أداة لخدمة أجندتها العسكرية، من خلال التحكم في مسارات توزيع المساعدات ونهب مواردها لصالح مجهودها الحربي. كما دعا الأمم المتحدة ومجلس الأمن إلى التحرك العاجل لتصنيف الجماعة منظمةً إرهابيةً ومحاسبتها على جرائمها بحق المدنيين والعاملين الإنسانيين.
الأزمة لا تتوقف عند حدود الاستهداف المباشر للعاملين الإنسانيين، بل تمتد إلى تبعات كارثية على الوضع المعيشي والصحي في البلاد. فبحسب «شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة»، يواجه ما بين 50 و55 في المائة من سكان اليمن فجوات حادة في استهلاك الغذاء، بينما يعاني مئات الآلاف من آثار الفيضانات التي ضربت البلاد خلال الأشهر الأخيرة، متسببة في تدمير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وجرف المحاصيل ومصادر المياه، مما عمّق من معدلات الفقر والجوع في المحافظات المختلفة.
وتشير تقارير ميدانية إلى أن تدهور الأوضاع الإنسانية ترافق مع انتشار الأمراض المنقولة بالمياه، وعلى رأسها الكوليرا، حيث ارتفعت حالات الإسهال المائي الحاد بنسبة 65 في المائة في محافظتي الحديدة وحجة خلال شهر واحد فقط، وهما من أكثر المناطق الخاضعة للحوثيين تضرراً من غياب الخدمات الصحية وضعف التدخلات الإنسانية. هذا التدهور يعكس بوضوح كيف أن تعطيل العمل الإغاثي لا يهدد فقط الأمن الغذائي، بل يفتح الباب أمام أزمات صحية وبيئية متراكمة قد يصعب احتواؤها لاحقاً.
استراتيجية تسييس العمل الإنساني
استهداف الحوثيين لموظفي المنظمات الأممية ليس مجرد انتهاك قانوني أو تجاوز فردي، بل هو جزء من استراتيجية ممنهجة تهدف إلى السيطرة على المساعدات الدولية وتسييس العمل الإنساني. هذا السلوك يدفع اليمنيين – لا سيما في مناطق سيطرة الجماعة – إلى مواجهة مصير مظلم، إذ يُحرم الملايين من أبسط مقومات الحياة في ظل تراجع التمويل الدولي وتآكل القدرة التشغيلية للمنظمات الإنسانية.
ومع استمرار الصمت الدولي النسبي وعدم وجود ردع حقيقي، يبدو أن جماعة الحوثي تمضي في طريقها لتقويض آخر خطوط الدفاع أمام الانهيار الإنساني الكامل. فكل يوم يمرّ دون تدخل دولي حازم يعني مزيداً من الجوع والمرض والتشريد، ومزيداً من الأرواح التي تُزهق بصمت تحت أنقاض دولة منهكة وحرب بلا نهاية. إن إنقاذ العمل الإنساني في اليمن اليوم لم يعد خياراً دبلوماسياً، بل ضرورة وجودية لملايين البشر العالقين بين مطرقة الحرب وسندان الابتزاز السياسي.






