تعكس التطورات الأخيرة في المسجد الأقصى، و كنيسة القيامة تحولًا نوعيًا في سياسات الاحتلال تجاه المقدسات في القدس، حيث لم يعد الأمر يقتصر على إجراءات أمنية مؤقتة، بل بات يُقرأ في إطار استراتيجية طويلة الأمد لإعادة تشكيل الواقع الديني والقانوني في المدينة.
الإغلاق المستمر للشهر الأول على التوالي، بالتوازي مع تقييد الوصول وفرض الطوق الأمني، يعكس انتقالًا من سياسة “الاحتواء المرحلي” إلى “فرض الوقائع”، مستفيدًا من سياق إقليمي متوتر وانشغال دولي بملفات أخرى. ويُظهر هذا التحول أن القرارات الميدانية لم تعد مرتبطة فقط بالظرف الأمني، بل أصبحت جزءًا من هندسة تدريجية للمشهد في القدس.
الاحتلال يقوض
الاحتلال ينتهك المقدسات الدينية
وفي ظل استمرار الإغلاق، تدعو جهات محلية في المدينة المصلين إلى أداء الصلاة في أقرب نقطة ممكنة من المسجد الأقصى، تعبيرًا عن رفض الإجراءات المفروضة، في وقت تُقرر فيه حكومة الاحتلال “الإسرائيلية” تمديد حالة الطوارئ حتى منتصف نيسان/أبريل المقبل، دون توضيح ما إذا كان ذلك يشمل استمرار إغلاق المسجد طوال هذه الفترة. كما أن إغلاق الكنائس، يؤكد عدم احترام الاحتلال للمقدسات الدينية.
استمرار إغلاق كنيسة القيامة، واحتمالية إقامة الصلوات بأعداد محدودة حال استمرار الأوضاع الحالية. ويقول المطران: “كنيسة القيامة في القدس مغلقة بسبب الحرب”، فضلا عن أن هذا الوضع الاستثنائي يؤثر على مشاركة المصلين في واحدة من أهم المناسبات المسيحية في العالم. حسب تصريحات المطران عطا الله حنا، رئيس أساقفة الروم الأرثوذكس في القدس، لوكالة شهاب، ردًا على تداعيات الحرب على الاستعدادات لعيد القيامة الذي يصادف الخامس من أبريل.
ويحذر المطران من تأثير استمرار الحرب على الاحتفالات، داعيًا إلى رفع القيود المفروضة وإزالة الحواجز العسكرية، ويضيف: “نحن نتمنى أيضًا أن تزول الحواجز، لكي يتمكن الفلسطينيون جميعًا من الوصول إلى القدس ومقدساته”.
محاولات جماعات “الهيكل” المتطرفة لفرض واقع ديني جديد
ما يحدث داخل الأقصى منذ بدء الإغلاق الكامل قبل 30 يومًا ليس مجرد إجراء أمني مؤقت، بل جزء من مخطط متكامل يهدف إلى تغيير الوضع التاريخي والقانوني للمسجد. الاحتلال يسعى بشكل واضح إلى ترسيخ التقسيم الزماني والمكاني داخل المسجد، وتحويله تدريجيًا إلى واقع جديد يفرض سيطرته على كل شبر من الباحات”. حسب تصريحات الباحث في شؤون القدس، فخري أبو دياب، لوكالة شهاب.
إجراءات الاحتلال تمثل تصعيدًا غير مسبوق – وفقا لأبو دياب – حيث يقتصر دخول المصلين على عدد محدود من موظفي دائرة الأوقاف وحراس المسجد، بينما تُمنع غالبية الفلسطينيين من الوصول إلى باحات الأقصى، حتى خلال الصلوات الأسبوعية مثل الجمعة، أو المناسبات الدينية الكبرى. ويشير الباحث إلى أن جماعات “الهيكل” المتطرفة تتحرك بثقة متزايدة داخل باحات المسجد، معتبرة كل اقتحام خطوة إضافية نحو فرض واقع ديني جديد.
وتابع: “هذه الجماعات تستغل الانقسام العربي وغياب موقف دولي حقيقي لتثبيت وجودها، وكل يوم يمر يزيد من ترسيخ سيطرة الاحتلال على الأقصى بصورة تدريجية. كما أن أن الإغلاق المستمر للقدس والمسجد الأقصى يضع الفلسطينيين أمام معادلة صعبة، حيث أصبح الاعتماد على المقدسيين وحدهم لحماية المسجد غير واقعي، بسبب الضغط المستمر والإبعاد والاعتقالات، في حين لم يظهر حتى الآن أي دعم سياسي أو دولي ملموس يردع الاحتلال عن خطواته.
“المقدسيون وحدهم لا يستطيعون مواجهة هذه السياسات، والغياب المستمر للضغط الدولي يعطي الاحتلال الضوء الأخضر للمضي قدمًا في مخططاته دون أي حساب للعواقب”. حسب الباحث في شؤون القدس فخري أبو دياب.
توسيع الاستيطان وفرض قيود على الفلسطينيين
ما يجري في المسجد الأقصى مرتبط بالمشروع “الإسرائيلي” الأوسع في مدينة القدس، القائم على ما وصفه بـ”التراكم البطيء” للسيطرة على المدينة ومقدساتها. فضلا عن أن الاحتلال لا يعتمد خطوات صادمة مفاجئة، بل يسلك سياسة تدريجية، تشمل توسيع الاستيطان وفرض قيود متزايدة على الفلسطينيين، بما يؤدي في النهاية إلى تقليص وجودهم وتعزيز الهيمنة “الإسرائيلية” على المدينة ومقدساتها بشكل دائم. حسب تصريحات الخبير في شؤون الاستيطان، خليل التفكجي، لوكاة شهاب.
وتابع: “كل خطوة ‘إسرائيلية’ تُتخذ بحذر وبتدرج، سواء على مستوى الاستيطان أو السيطرة على الحركة داخل القدس، وهو ما يجعل الفلسطينيين أمام واقع متغير يوميًا دون القدرة على مواجهته بشكل مباشر”. مشيرًا إلى أن تصاعد خطاب الجماعات المتطرفة الداعية لإقامة “الهيكل” داخل المسجد الأقصى لا يزال مرتبطًا باعتبارات دينية داخل المؤسسة الحاخامية، خاصة فيما يتعلق بعلامات البقرة الحمراء.





