خلّفت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، تداعيات عسكرية وإنسانية متصاعدة، ورغم ذلك تظهر أبعاد أخرى للصراع لا تقتصر على الخسائر الميدانية المباشرة، بل تمتد إلى تأثيرات نفسية داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نفسها، ورغم تركيز حكومة الاحتلال على تغطيات العمليات العسكرية، والنتائج على الأرض، إلا أن ملف الصحة النفسية للجنود يُعد أحد الجوانب التي تحيط بها حالة من الجدل والتكتم.
ويسلط تحقيق صحفي الضوء على ما وصفه بغياب الشفافية في الإفصاح عن البيانات المتعلقة بحالات التسريح والأزمات النفسية داخل صفوف الجيش، وسط تساؤلات متزايدة حول حجم التأثيرات الداخلية للحرب، وما إذا كانت المؤسسة العسكرية تتجه إلى إدارة هذا الملف إعلاميًا بطريقة تقلل من ظهوره في المجال العام.
إخفاء معلومات حساسة عن خسائر الاحتلال
ما سرده التحقيق، كشف عن امتناع الجيش “الإسرائيلي” عن الإفصاح عن بيانات تفصيلية تتعلق بأعداد الجنود الذين جرى تسريحهم من الخدمة العسكرية لأسباب نفسية خلال الحرب على قطاع غزة، في وقت تتزايد فيه الاتهامات بشأن تعمد إخفاء معلومات حساسة تتعلق بحجم الخسائر النفسية في صفوف قواته. حسب وكالة شهاب.
صحيفة “هآرتس” العبرية، كشفت عن إن جيش الاحتلال “الإسرائيلي” يواصل المماطلة في الاستجابة لطلبات رسمية قُدمت منذ يونيو/حزيران من العام الماضي، استناداً إلى “قانون حرية المعلومات”، وذلك بهدف الحصول على بيانات دقيقة حول أعداد الجنود الذين تم تسريحهم نتيجة أوضاع نفسية مرتبطة بالقتال، فضلا عن أن هذه الطلبات تجاوزت المدد القانونية المحددة للرد، والتي تصل إلى 120 يوماً، إلا أن المؤسسة العسكرية ما تزال تمتنع عن تقديم المعطيات الكاملة، مكتفية بإفادات جزئية جاءت تحت ضغط التماسات قضائية.
وأكد ضباط سابقين في قسم القوى البشرية ووحدة المتحدث باسم جيش الاحتلال، أن هناك توجهاً داخل المؤسسة العسكرية لتعطيل نشر أي بيانات قد تُلحق ضرراً بصورة الجيش، خاصة تلك التي توصف بأنها “غير مشرفة”، بما ينعكس على صورته أمام الرأي العام داخل “إسرائيل”.
إحصائية صادمة عن تسريح جنود وضباط الاحتلال
وفي سياق متصل، كشفت الصحيفة أن ضابط احتياط في قسم القوى البشرية أشار إلى وجود خبراء داخل الجيش الاحتلال تتحدد مهامهم في إعادة صياغة الأرقام والإحصاءات بطريقة تخفي حجم الضغوط النفسية التي يعاني منها الجنود. وأضاف الضابط، وفق ما نقلته “هآرتس”، أن هناك قدرة على “التلاعب بالأرقام لإخفاء حجم الضائقة النفسية”، في حين يتم استنفار جميع الأقسام بشكل سريع عندما يحتاج المتحدث باسم الجيش إلى بيانات لدحض تقارير إعلامية أو تصريحات سياسية.
وتشير المعطيات إلى أن هذا التعتيم يأتي في ظل مخاوف لدى هيئة الأركان في الجيش من أن يؤدي الكشف عن حجم الإصابات النفسية إلى إضعاف الروح المعنوية وتعميق حالة الانقسام الداخلي، في ظل استمرار الحرب على قطاع غزة وما رافقها من تداعيات واسعة. ورغم محاولات الإخفاء، فقد أُلزم جيش الاحتلال بقرار قضائي بتسليم بيانات جزئية تخص السنة الأولى من الحرب، والتي كشفت عن أرقام وُصفت بأنها غير مسبوقة في تاريخ المؤسسة العسكرية.
ووفق هذه البيانات، فقد جرى تسريح 7241 جندياً وضابطاً بشكل نهائي لأسباب نفسية، إلى جانب نقل آلاف الجنود من الخدمة النظامية من المهام القتالية إلى أدوار خلفية نتيجة ما وُصف بالاستنزاف والانهيار النفسي. كما أشارت المعطيات إلى تضاعف حالات الانتحار بين صفوف الجنود، وهي ملفات بقيت طي الكتمان حتى نهاية عام 2024. وفي موازاة ذلك، تعزو مصادر طبية داخل قسم الصحة النفسية في الجيش هذا التدهور إلى حجم الصدمات التي واجهها الجنود عقب أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وما تبعها من عمليات عسكرية عنيفة في قطاع غزة.
خسائر كبيرة في صفوف الجنود
كما أكد عدد من الجنود الذين شاركوا في معارك داخل غلاف غزة أنهم غير قادرين على العودة إلى القتال، ما دفع الجيش إلى توسيع وحدات الدعم النفسي بشكل غير مسبوق، وإنشاء مراكز علاجية متخصصة، مع التركيز إعلامياً على إبراز فاعلية العلاج بدلاً من تسليط الضوء على حجم الأزمة النفسية، وفق ما نقلته الصحيفة. وتُظهر صور نشرتها وسائل إعلام عبرية، بينها ما عممه المتحدث باسم جيش الاحتلال، مشاهد لخسائر كبيرة في صفوف الجنود خلال الحرب على غزة،
فيما أشارت “هآرتس” إلى أن قوات الجيش في مناطق غلاف غزة عاشت ظروفاً وُصفت بالقاسية خلال المعارك الأخيرة. وفي تعليق رسمي، اكتفى المتحدث باسم الجيش بالقول إن الطلبات المقدمة بشأن هذه البيانات “قيد المعالجة”، مؤكداً ما وصفه بالتزام المؤسسة العسكرية بالشفافية حتى في أوقات الحرب، وهو ما اعتبرت الصحيفة العبرية أنه يتناقض مع الوقائع القانونية والميدانية التي جرى رصدها خلال التحقيق.




