مع افتتاح إثيوبيا لسد النهضة الكبير، انتقلت الأزمة المائية في حوض النيل إلى مرحلة مختلفة، لم يعد فيها مجال للرهان على تعطيل المشروع أو وقفه. مصر، التي عارضت منذ البداية أي خطوات أحادية تتعلق بالملء والتشغيل، تجد نفسها الآن أمام معادلة جديدة عنوانها: كيف تتعامل مع سد بات قائمًا ويؤثر بشكل مباشر في أمنها المائي؟
التمسك بالمسار التفاوضي
الخيار الأول أمام القاهرة يبقى دبلوماسيًا، إذ يمكنها الدفع نحو العودة إلى طاولة المفاوضات تحت رعاية دولية أو إقليمية، سواء عبر الاتحاد الإفريقي أو مجلس الأمن. الهدف هنا هو انتزاع اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد الملء والتشغيل يضمن حداً أدنى من التدفق المائي إلى دول المصب، ويحول دون استفراد إثيوبيا بالقرار. ورغم صعوبة تحقيق اختراق سريع، فإن إبقاء باب التفاوض مفتوحًا يتيح لمصر تثبيت موقفها القانوني والسياسي، ويعزز قدرتها على كسب التعاطف الدولي.
أوراق الضغط غير المباشرة
إلى جانب المسار التفاوضي، تملك القاهرة أدوات ضغط أخرى أقل علنية، مثل توظيف علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والخليج للضغط على إثيوبيا اقتصاديًا أو عبر مشروعات التنمية المشتركة. كما يمكنها العمل على بناء تحالفات إقليمية مع السودان ودول أخرى متضررة لإظهار أن الأزمة لا تخص مصر وحدها، بل تمس الأمن المائي في المنطقة بأسرها.
التكيف الداخلي مع الأزمة
في الداخل، بات لزامًا على مصر أن تتعامل مع احتمال تراجع حصتها المائية، ولو بشكل تدريجي. ذلك يفرض سياسات أكثر جرأة في إدارة الموارد المائية، من خلال التوسع في مشروعات تحلية مياه البحر، وتحسين كفاءة الري، وتشجيع التحول نحو محاصيل أقل استهلاكًا للمياه. كما أن التوجه نحو تنويع مصادر الغذاء عبر الاستيراد الذكي وتخزين استراتيجي للحبوب سيصبح ركيزة أساسية لضمان الأمن الغذائي.
الخيار العسكري… ورقة الردع الأخيرة
رغم أن مصر تحرص على تجنب المواجهة المباشرة، فإن الخيار العسكري يبقى حاضرًا في الخطاب السياسي كـ”ورقة ردع”. هذا الخيار قد يتخذ شكل ضربات محدودة أو عمليات استخباراتية تهدف إلى تعطيل السد أو الضغط على إثيوبيا للتراجع، لكنه يبقى محفوفًا بالمخاطر لما قد يجره من تداعيات إقليمية ودولية. الإبقاء على هذا الاحتمال قائمًا يمنح القاهرة ورقة ضغط معنوية، حتى لو لم يُستخدم عمليًا.
مستقبل النيل بين الشراكة والصراع
افتتاح سد النهضة لا يعني نهاية المعركة بل بداية فصل جديد أكثر تعقيدًا. بالنسبة لمصر، التحدي الأكبر ليس فقط في الحفاظ على حقوقها المائية، بل في إعادة صياغة العلاقة مع إثيوبيا ودول حوض النيل على أساس الشراكة لا الصراع، مع التأكيد أن الأمن المائي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي.
المشهد الآن يبدو مفتوحًا على أكثر من سيناريو: إما مسار تفاوضي شاق يخفف من حدة الأزمة، أو تصعيد إقليمي قد يشعل مواجهات أوسع. وفي كل الحالات، تبدو مصر مطالبة بتبني سياسة مزدوجة: إدارة الأزمة داخليًا بكفاءة، ومواصلة الضغط خارجيًا لانتزاع ضمانات تحفظ مصالحها الوجودية في نهر النيل.






