في تصعيد لافت للإجراءات الأمنية داخل مناطق سيطرتها، فرضت ميليشيا الحوثي، إقامة جبرية مشددة على يحيى الراعي، رئيس البرلمان غير المعترف به، عقب عملية مداهمة واسعة لمنزله في صنعاء، شاركت فيها وحدات مسلحة وعناصر من «الزينبيات» النسائية، وسط مؤشرات متزايدة على اضطرابات داخلية وصراعات مكتومة داخل الجماعة.
وأفاد شهود ومصادر محلية بأن عشرات المسلحين الحوثيين طوقوا منزل الراعي بشكل مفاجئ، قبل أن يقتحموه ويجروا تفتيشاً دقيقاً، بينما جرى احتجاز جميع الموجودين داخله في غرفة واحدة.
وبعد انتهاء العملية، أبقت الجماعة قوة كبيرة من المسلحين على عربات عسكرية لتطويق المنزل، ومنعت الدخول أو الخروج إلا بتصاريح خاصة من قيادات عليا.
ويُعد الراعي من أبرز الشخصيات السياسية والقبلية المحسوبة على حزب «المؤتمر الشعبي العام»، وواحداً من الشخصيات التي حافظت على علاقة تأييد حذرة مع الجماعة منذ سيطرتها على صنعاء عام 2014، الأمر الذي يثير تساؤلات حول دوافع هذه الخطوة المفاجئة ضده.
مخاوف من «تطهير سياسي» داخل معسكر الحوثيين
تشير مصادر سياسية إلى أن الإجراءات الأمنية ضد الراعي قد تكون مرتبطة بأحداث ذكرى «ثورة 26 سبتمبر» التي حظرت الجماعة الاحتفال بها هذا العام، واعتقلت المئات من المشاركين.
كما تحدّثت مصادر من حزب المؤتمر عن حملات مداهمة واعتقالات أخرى طالت قيادات وشخصيات قريبة من الراعي، ما يعزز فرضية أن الجماعة تسعى لإعادة ترتيب صفوفها وإقصاء الأصوات غير المضمونة الولاء.
ويذهب بعض المراقبين إلى أن الجماعة الحوثية، التي تواجه حالة احتقان شعبي غير مسبوقة بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، باتت تتخوف من أي انشقاقات أو تحركات داخلية قد تستغل هذه الحالة لإضعاف قبضتها الأمنية.
تشييع غامض لقيادي أمني.. وصراع داخلي يطل برأسه
في سياق متصل، شيّعت الجماعة الحوثية، خلال الأيام الماضية، القيادي الأمني أسامة الجائفي في صنعاء، من دون توضيح ملابسات مقتله، مكتفية بالقول إنه «قُتل أثناء أداء مهامه».
وقالت مصادر محلية إن الجائفي شارك مؤخراً في حملات قمع ضد المحتفلين بذكرى الثورة في مديرية همدان، وكان لا يزال على رأس مهامه بعد الهجمات الجوية الإسرائيلية في 10 سبتمبر. وتشير ترجيحات إلى أن مقتله قد يكون ناجماً إما عن مواجهات مع الأهالي الرافضين لحملات القمع، أو نتيجة لتصفيات داخلية في ظل صراعات خفية بين قادة الجماعة حول النفوذ والأراضي.
ويرى مراقبون أن هذا النوع من الحوادث «الغامضة» بات يتكرر داخل صفوف الجماعة، ما يكشف هشاشة تماسكها الداخلي ووجود تيارات متنافسة على السلطة والمكاسب.
القبائل في مواجهة الحوثيين.. تصعيد في أرحب وصعدة
بالتوازي مع الإجراءات الأمنية ضد الشخصيات السياسية، تتصاعد التوترات بين الجماعة وعدد من القبائل في مناطق نفوذها، خصوصاً في مديرية أرحب شمال صنعاء، التي شهدت خلال الأيام الماضية اشتباكات عنيفة بين قبيلتي حبار وآل بعيس، أسفرت عن مقتل 8 أشخاص، بينهم امرأة، وسط اتهامات للحوثيين بتأجيج الصراع لفرض مزيد من السيطرة.
وتقول مصادر قبلية إن الجماعة لم تتدخل لوقف المواجهات، بل اعتقلت عدداً من أبناء القبيلتين، وهو ما فُسر على أنه محاولة لإضعاف الجبهة القبلية ومنع أي تحالفات قد تهدد نفوذها.
أما في محافظة صعدة، فقد اندلعت اشتباكات بين قبيلة وائلة ومسلحين حوثيين بمنطقة العقلة، إثر محاولة الجماعة مصادرة سيارة وأسلحة تعود لشبان من القبيلة. وأسفرت المواجهات عن مقتل 5 أشخاص، بينهم 3 من الحوثيين، ما ينذر بتجدد صراعات قبلية مسلحة في معقل الجماعة الرئيسي.
رسالة ترهيب داخلية أم مؤشرات تفكك؟
يرى محللون يمنيون أن الخطوات الحوثية الأخيرة ضد قيادات سياسية واجتماعية تمثل «رسالة ترهيب داخلية» تهدف إلى منع أي تحركات قد تتزامن مع تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية، لكنها في الوقت ذاته تعكس ارتباكاً داخل الجماعة.
ويقول الباحث السياسي عبد الله السامعي إن «فرض الإقامة الجبرية على شخصية بحجم يحيى الراعي، وهو حليف تقليدي للجماعة، يؤشر إلى تزايد الشكوك والانقسامات داخل الصف الحوثي». ويضيف أن هذه الإجراءات تزامنت مع اضطرابات أمنية وصراعات قبلية، ما يجعل الجماعة في وضع دفاعي غير مسبوق.
أما الخبير القبلي عبد الكريم الهمداني، فيعتبر أن «اللعب على وتر الانقسامات القبلية سلاح ذو حدين»، إذ قد يُمكّن الحوثيين من فرض هيمنتهم مؤقتاً، لكنه يزرع بذور مقاومة مستقبلية يصعب احتواؤها لاحقاً، خصوصاً في مناطق مثل أرحب وصعدة التي تمتلك إرثاً طويلاً من النزاعات القبلية المسلحة.






