في مقابلة لافتة مع بي بي سي، وضع الرئيس البولندي كارول ناووركي الكرة في ملعب واشنطن، معتبرًا أن دونالد ترامب هو الزعيم العالمي الوحيد القادر على إجبار فلاديمير بوتين على إنهاء الحرب في أوكرانيا. تصريحات ناووركي تعكس القلق العميق لبولندا من تصاعد التهديدات الروسية على الجناح الشرقي لحلف الناتو، لكنها تكشف أيضًا عن شعور بالاحباط من ضعف الجاهزية الدفاعية الأوروبية مقابل المخاطر الملموسة على الحدود.
تحت عنوان “الصراع الهجين”، كشف الرئيس البولندي عن حجم التحديات التي تواجه بلاده منذ عام 2021، بدءًا من الهجمات الإلكترونية والتضليل الإعلامي، مرورًا بالهجرة المسلحة عبر بيلاروسيا، وصولًا إلى اختراق المجال الجوي والطائرات المسيّرة القادمة من الأراضي الروسية والبيلاروسية. هذه التهديدات، كما وصفها، تمثل “لحظة استثنائية” في تاريخ الناتو، إذ لم يسبق للحلف أن واجه مثل هذا المستوى من العدوان المباشر على أراضي أحد أعضائه.
في هذا السياق، تُظهر تصريحات ناووركي أيضًا نقده للأولويات الأوروبية، حيث يرى أن العديد من الدول ركزت على قضايا بعيدة عن الأمن المباشر، مثل المناخ والهجرة، بينما كانت بولندا تصعد من استعدادها العسكري إلى مستويات قياسية، تصل إلى نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يجعلها بعد الولايات المتحدة أكثر دولة استثمارًا في الدفاع داخل الحلف. هذه المقاربة تعكس إحساسًا بالمسؤولية المباشرة تجاه تهديد روسي متزايد، وهي قراءة عملية للأمن تتجاوز الاعتبارات الأيديولوجية.
من زاوية أعمق، يمكن قراءة موقف ناووركي ضمن الصراع الكبير بين موسكو وواشنطن على النفوذ الأوروبي، حيث يسعى الكرملين إلى اختبار عزيمة الناتو والضغط على الحدود الشرقية، مستخدمًا أدوات هجينة تتراوح بين القوة العسكرية المباشرة والدبلوماسية الاقتصادية والحملات الإعلامية. الوضع في أوكرانيا، رغم أنه مسرح مباشر للصراع، يمتد تأثيره إلى بولندا ودول الجوار، التي ترى في استمرار الحرب تهديدًا وجوديًا لمصالحها الوطنية.
على مستوى التحالفات، يُظهر موقف ناووركي أيضًا الانقسام داخل أوروبا، بين من يسعى لتقوية الروابط مع واشنطن لمواجهة روسيا، ومن يفضل تقاربًا أوسع مع موسكو أو على الأقل سياسة توازن أكثر حذرًا. في الوقت نفسه، تتسم تصريحاته حول غرينلاند والمواضيع الحساسة الأخرى بالحرص على إبقاء التضامن عبر الأطلسي فوق أي خلافات جانبية، ما يعكس استراتيجية أوروبية تعتمد على توحيد الصفوف أمام التهديد الروسي، حتى لو كانت السياسة الداخلية الأمريكية مثيرة للجدل.
في المحصلة، خطاب الرئيس البولندي يكشف عن ثلاثة مستويات مترابطة: تهديد مباشر من روسيا، ضعف التنسيق الأوروبي في التعامل مع الأزمة، واعتماد إستراتيجي على النفوذ الأمريكي. هذا المزيج يوضح التعقيد الشديد للمشهد الأوروبي الشرقي، حيث الأمن القومي مرتبط بشكل مباشر بما يحدث في أوكرانيا، والقرارات السياسية ليست مجرد خيارات داخلية، بل تتحرك ضمن منظومة دولية حساسة، تُعيد رسم موازين القوى بين روسيا، أوروبا، والولايات المتحدة.






