تصاعدت لهجة خطاب السيادة في تونس، برفض تام للتدخل الخارجي، بسبب ما أثارته مواقف البرلمان الأوروبي والإدارة الأمريكية تجاه تونس، والتي أحدثت جدلًا سياسيًا واسعًا، أعاد إلى الواجهة طبيعة العلاقة المعقدة بين تونس وشركائها الغربيين. وتواجه تونس معادلة دقيقة تجمع بين الضغوط السياسية من جهة، ومتطلبات الشراكة الاستراتيجية والمصالح المتبادلة من جهة أخرى، في وقت تؤكد فيه القيادة التونسية أن القرار الوطني خط أحمر لا يقبل المساومة.
رد برلماني شديد اللهجة
وفي رد شديد اللهجة، أعرب النائب في البرلمان التونسي، علي زغدود، عن رفضه القاطع لمحاولات الضغط والابتزاز التي تُمارس ضد تونس من قبل البرلمان الأوروبي والإدارة الأمريكية، مشدداً على أن “زمن الوصاية قد ولى”، موضحًا أن هذه التدخلات لا يمكن فصلها عن ذهنية استعمارية قديمة تحاول استعادة نفوذها عبر أدوات القوة الناعمة والبيانات السياسية. حسب إرم نيوز.
جاء ذلك، رداً على تصويت النواب الأوروبيين مؤخراً، بأغلبية واسعة، على قرار يطالب السلطات التونسية بمراجعة ملفات حقوقية تشمل حرية التجمع والتعبير واستقلال القضاء، بالإضافة إلى المطالبة بإلغاء المرسوم 54 المثير للجدل؛ ما اعتبره البرلماني التونسي تدخلاً سافراً في الشؤون الداخلية لبلاده وانتقاصاً من مؤسساتها الوطنية.
وأكد البرلماني التونسي، أن ما صدر عن البرلمان الأوروبي لا يمكن فصله عن ذهنية استعمارية قديمة تتجدد بأدوات ناعمة. هو تدخل سافر في الشأن الداخلي التونسي، ومحاولة وصاية مرفوضة على دولة ذات سيادة. تونس ليست تلميذًا في مدرسة الديمقراطية الأوروبية، بل دولة دفعت أثمانًا باهظة من دماء أبنائها دفاعًا عن استقلال قرارها، ولن تقبل أن تُقيَّم أو تُدان وفق أجندات سياسية انتقائية تُستعمل حينًا للضغط وحينًا للابتزاز.
انقسام سياسي وأمني
وخلال السنوات الأخيرة، برزت تونس باعتبارها أحد أهم عوامل الاستقرار في جنوب المتوسط، في محيط إقليمي مضطرب يتصدره المشهد الليبي، حيث يستمر الانقسام السياسي والأمني، خاصة في غرب ليبيا، في ظل غياب أفق واضح للاستقرار. هذا الواقع الإقليمي يمنح تونس وزنًا استراتيجيًا مضاعفًا، سواء من حيث ضبط الحدود، أو الحد من تدفقات الهجرة غير النظامية، أو المساهمة في استقرار الفضاء المتوسطي ككل، وهو ما يدركه الاتحاد الأوروبي جيدًا.
في المقابل، يواصل الرئيس قيس سعيد التأكيد على أن الشراكة مع أوروبا يجب أن تقوم على الندية واحترام السيادة الوطنية، لا على منطق الوصاية أو التدخل تحت عناوين سياسية أو حقوقية. وقد شدد مرارًا على أن تونس ترفض أن تُدار من الخارج أو أن تُقيَّم سياساتها الداخلية وفق معايير مفروضة، معتبرًا أن القرار الوطني خط أحمر لا يقبل المساومة. حسب وكالات.
وتتهم أطراف أوروبية، ولا سيما داخل البرلمان الأوروبي، السلطات التونسية بالتضييق على الحريات والتدخل في القضاء واعتقال معارضين سياسيين، استنادًا إلى تقارير صادرة عن منظمات دولية. غير أن الرئاسة التونسية والسلطات القضائية تنفي هذه الاتهامات، مؤكدة أن القضاء مستقل، وأن الملفات المعروضة تتعلق بقضايا جزائية وأمنية ينظر فيها وفق القانون، ولا يوجد ما يدل على تصفية حسابات سياسية، بل إجراءات تستهدف حماية أمن الدولة وصون ثرواتها من الفساد والنهب.
استمرار التنسيق في الملفات الحيوية رغم الخلافات
ورغم حدة الخطاب الحقوقي، لم ينعكس ذلك على مسار التعاون العملي بين تونس والاتحاد الأوروبي. إذ يستمر التنسيق في ملفات حيوية، على رأسها التعاون الاقتصادي ومكافحة الهجرة غير النظامية، فضلًا عن الشراكات في مجالات الطاقة والزراعة والانتقال الرقمي. ويكشف هذا التناقض الظاهري عن مقاربة أوروبية براغماتية، تفصل بين المواقف السياسية المعلنة، والحسابات الاستراتيجية المرتبطة بالمصالح.
ويجمع محللون على أن الاتحاد الأوروبي، في مستواه التنفيذي، لا ينظر إلى تونس إلا باعتبارها شريكًا استراتيجيًا لا يمكن الاستغناء عنه، خصوصًا في ظل الأزمات التي تعيشها أوروبا، سواء على صعيد الطاقة أو الأمن أو الهجرة. كما أن الفارق بين مواقف البرلمان الأوروبي، ذات الطابع السياسي والحزبي، ومواقف المفوضية الأوروبية، ذات الطابع التنفيذي، يفسر جانبًا كبيرًا من ازدواجية الخطاب الأوروبي تجاه تونس. حسب مواقع إلكترونية.
وفي ما يتعلق باتفاقيات الشراكة، ورغم الجدل الذي يحيط بمشاريع مثل اتفاق “الأليكا” ومذكرات التفاهم الأخيرة، فإن تونس تواصل التعامل معها بحذر، انطلاقًا من حرصها على عدم المساس بخياراتها الاقتصادية والاجتماعية، وعلى ضمان ألا تتحول الشراكات الاقتصادية إلى أدوات للتأثير السياسي.
حماية السيادة والمواقف الوطنية
وفي هذا السياق يقول الخبير السياسي عبد الرزاق الخلولي إنه “من حيث المبدأ نرى أن موقف رئيس الجمهورية سليم، لأنه يجب ألا نترك الأجنبي، سواء كان دبلوماسيا أو غير ذلك، يستغل وجوده في تونس للتدخل في شؤوننا الداخلية ويحشر نفسه في مشاكل تخص التونسيين”. حسب وكالة الأناضول.
وأضاف الخبير الخلوني “ندعم ونساند مثل هذه المواقف التي تركز على السيادة وحماية المواقف الوطنية”، مضيفا أن “دول الاتحاد الأوروبي استغلت اتفاق الشراكة لعام 1995 على أساس أن لأوروبا نصيب الأسد في صلاحيات الاتفاق ورفع الرسوم الجمركية”.
وأوضح أن في الاتفاق “فصولا يمكن للتكتل عبرها التدخل في مسائل أخرى إضافة إلى الاقتصاد، فيتدخل في الخيارات الوطنية مثل الحريات والديمقراطية، ولكن هذا ليس من مهامه”، دون مزيد توضيح. واعتبر الخلولي أن “الاتحاد الأوروبي يستغل هذه المسائل للضغط على الحكومة والسلطة التنفيذية، وفي كل مرة يشعر فيها بتضرر مصالحه، يُخرج ورقة الحريات والاستبداد”.
وأشار الخلولي إلى ضرورة التفريق بين عمل البرلمان الأوروبي والمفوضية الأوروبية، قائلا إن “العمل البرلماني مجرد توصيات واقتراحات”، مضيفا أن “المؤسسة التشريعية تعتبر تونس شريكا استراتيجيا، ونحن نعتبره كذلك، حيث نُجري 80 بالمئة من المبادلات التجارية الخارجية معه”.
أحزاب محسوبة على اليسار الأوروبي
ورأى أن “البرلمان لا يخلو من أجندات ولوبيات (قوى ضغط) ومواقف تتناقض أحيانا، فمرة يقولون إن تونس شريك محترم لا بد من دعمه ومساندته في التحول الديمقراطي، ومرة أخرى يقولون إنها تشهد قمعا واستبدادا”. وذكر أن “المفوضية الأوروبية ترى أنه لا بد من مواصلة العلاقات مع قيس سعيد بما يتماشى مع مصالح الاتحاد، خاصة أن أوروبا تعاني صعوبات اقتصادية في مجال الطاقة، فعندما تقطع عنها روسيا الغاز تتوجه إلى تونس للحصول على بدائل”.
بدوره، شدد المدير السابق للمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية الأكاديمي طارق الكحلاوي، على أهمية التفريق بين عمل الاتحاد والمفوضية الأوروبية إن “البرلمان الأوروبي فيه أحزاب سياسية ليست بالضرورة مؤثرة في المفوضية”. مضيفا أن “سياسة الاتحاد التنفيذية تقوم على التعاون والتنسيق، ولكن هناك أحزاب محسوبة على اليسار الأوروبي مثل حزب الخضر، ولها مواقف نقدية تركز على الديمقراطية وحقوق الإنسان، ويجب عدم الخلط بينهما”. حسب وكالة الأناضول.
ولفت الكحلاوي إلى أن اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق “أليكا” لعام 2019 لا تزال “معلقة”، موضحا أن المفاوضات قبل التوصل إليها كانت تجري بين الاتحاد الأوروبي من جهة، والحكومة التونسية ومنظمة الأعراف (الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية) واتحاد الشغل، من جهة أخرى.






