تكشف التحولات الأخيرة في مواقف القادة الأوروبيين تجاه الحرب على إيران عن إشكالية عميقة في توظيف القانون الدولي داخل الخطاب السياسي الغربي، حيث لم يعد هذا القانون يُقدم كمرجعية ثابتة، بل كأداة مرنة تخضع لحسابات المصالح والاستراتيجيات. فبينما سارعت عواصم أوروبية إلى إدانة العمليات العسكرية الأخيرة باعتبارها انتهاكاً للقانون الدولي، يبرز في المقابل صمتها أو ترددها السابق حيال ما جرى في قطاع غزة، بما يعكس ازدواجية واضحة في المعايير والتطبيق.
هذا التباين لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي تواجهها أوروبا، خاصة في ظل تصاعد المخاوف من اتساع رقعة الصراع وتأثيراته المباشرة على أمن الطاقة واستقرار الأسواق. ففي الحالة الإيرانية، يبدو أن استدعاء القانون الدولي لا يقتصر على البعد القانوني، بل يرتبط أيضاً بمحاولة ضبط إيقاع التصعيد، وتفادي الانجرار إلى مواجهة أوسع قد تكون كلفتها باهظة على الاقتصادات الأوروبية الهشة أصلاً.
تناقض المواقف الأوروبية
تساءل تحليل إخباري حول استناد القادة الأوروبيين بالقانون الدولي بشأن الحرب مع إيران، مما يكشف عن تناقض صارخ مع صمتهم المطول خلال الإبادة الجماعية في غزة.
الحكومات التي قاومت لأكثر من عامين، منذ 7 أكتوبر 2023، تطبيق القانون الدولي على الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، باتت الآن تستخدم الإطار القانوني نفسه بشكل عاجل رداً على الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في مارس 2026. هذا ليس تطوراً هامشياً، بل يتم التعبير عنه على أعلى مستويات السياسة الأوروبية السائدة. حسب تحليل نشره موقع “باليستاين كرونيكل” وترجمته وكالة صفا.
في 24 مارس 2026، صرح الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير بأن الحرب على إيران “تتعارض مع القانون الدولي”، رافضاً بشكل صريح مزاعم تبرير الدفاع عن النفس. وأمس، خلص تحليل قانوني أجراه خبراء برلمانيون ألمان إلى أن الهجمات تنتهك حظر ميثاق الأمم المتحدة لاستخدام القوة بسبب عدم وجود كل من تفويض مجلس الأمن وأساس صحيح للدفاع عن النفس.
انتهاك القانون الدولي
وفي إسبانيا، كان رئيس الوزراء بيدرو سانشيز قد اتخذ موقفاً واضحاً في وقت سابق من الشهر. ففي 4 مارس/آذار 2026، وصف الضربات الأمريكية الإسرائيلية بأنها “غير قانونية”، وهو موقف أكده مجدداً في 25 مارس/آذار 2026، رافضاً في الوقت نفسه السماح باستخدام القواعد الإسبانية في العمليات العسكرية.
وبالمثل، صرح وزير الدفاع الإيطالي غيدو كروسيتو في 5 مارس 2026 بأن الهجمات تنتهك القانون الدولي بشكل واضح. وتتناقض هذه المواقف بشكل حاد مع موقف أوروبا خلال الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة في غزة. فمنذ 7 أكتوبر 2023، قامت الحكومات الأوروبية إلى حد كبير بحماية “إسرائيل” من المساءلة القانونية، مستندة باستمرار إلى “حقها في الدفاع عن نفسها” مع تجنب أو تجاهل الآثار القانونية لأفعالها.
ولم يكن هذا موحداً تماماً – فقد تبنت دول مثل إسبانيا وأيرلندا، إلى جانب عدد قليل من الدول الأخرى، مواقف أكثر انتقاداً، داعية إلى وقف إطلاق النار، وفي بعض الأحيان، معربة عن دعمها لآليات المساءلة. ومع ذلك، ظل الموقف السائد بين القوى الأوروبية الكبرى – بما في ذلك ألمانيا وفرنسا وإيطاليا – هو موقف الحماية السياسية ل”إسرائيل”، حتى مع ازدياد حجم الدمار في غزة.
دول أوروبية تعارض محاسبة إسرائيل
وخلال أواخر عام 2023 وحتى عام 2024، أعربت دول أوروبية رئيسية عن تحفظاتها، وفي بعض الحالات، عن معارضتها الصريحة للمبادرات القانونية الدولية التي تهدف إلى محاسبة “إسرائيل”. وشمل ذلك المقاومة السياسية لقضية جنوب إفريقيا في محكمة العدل الدولية، التي رُفعت في ديسمبر 2023، والتي اتهمت “إسرائيل” بارتكاب إبادة جماعية في غزة.
ووفقا لموقع “باليستاين كرونيكل”، فإنه مع ازدياد التدقيق القانوني في عامي 2024 و2025، وظهور مناقشات حول أوامر اعتقال في المحكمة الجنائية الدولية – والتي استهدفت في نهاية المطاف شخصيات مثل بنيامين نتنياهو ويواف غالانت – ظلت الردود الأوروبية حذرة ومنقسمة، وغالباً ما كانت تنتقد العملية نفسها، بدلاً من أن تكون داعمة لتداعياتها القانونية.
وعلى مدى أكثر من عامين، من أكتوبر 2023 وحتى أوائل عام 2026، تم التعامل مع القانون الدولي على أنه مرن وقابل للتفاوض أو ثانوي – على الرغم من حجم الدمار في غزة والحجج القانونية المتزايدة المقدمة في المحافل الدولية.
تهديد حلفاء الناتو
في عهد دونالد ترامب، اضطر القادة الأوروبيون إلى إعادة تقييم افتراضات راسخة حول القيادة عبر الأطلسي. وقد زعزعت تصريحات ترامب السابقة خلال عامي 2024 و2025 – بما في ذلك تهديداته لحلفاء الناتو ودعواته لإعادة النظر في التزامات الولايات المتحدة – الثقة في جميع أنحاء أوروبا.
وتعزز الحرب الحالية الاعتقاد بأن تصرفات واشنطن قد تكون مدفوعة بأولويات لا تتوافق مع المصالح الأوروبية، وأن أوروبا قد تنجرف إلى صراع أوسع دون تأثير حقيقي على مساره. في هذا السياق، لا يقتصر الاستناد إلى القانون الدولي على كونه حجة قانونية فحسب، بل هو أيضاً وسيلة لتأكيد التباعد السياسي. كما يهدد الصراع الممتد مع إيران استقرار مضيق هرمز، وهو شريان حيوي لإمدادات الطاقة العالمية. ومنذ منتصف مارس/آذار 2026، تزايدت المخاوف بشأن احتمال حدوث اضطرابات في المضيق، حيث بدأت أسواق الطاقة تُظهر بالفعل بوادر تقلبات.
أزمة الاقتصادات الأوروبية
وذكر التحليل أن الاقتصادات الأوروبية، التي تعاني أصلاً من ضغوط الحرب في أوكرانيا وأزمات الطاقة واضطرابات سلاسل التوريد منذ عام 2022، ليست في وضع يسمح لها باستيعاب صدمة كبيرة أخرى. ويزيد الهشاشة الاقتصادية التي استمرت طوال عامي 2024 و2025 من حدة المخاطر المرتبطة بحرب إيرانية أوسع نطاقاً.
هذا الضعف يفسر سبب حرص الحكومات الأوروبية على التأكيد على خفض التصعيد والأطر القانونية التي يمكن أن تحد من التوسع العسكري الإضافي. وأكد أن القانون الدولي لا يغيب عن السياسة الأوروبية. فهو يُفعّل عندما يتوافق مع المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية، ويُهمّش عندما لا يتوافق معها.





