دخلت الأزمة بين إيران والولايات المتحدة مرحلة أكثر تعقيداً، بعدما أرسلت طهران ردها الرسمي على أحدث مقترح أميركي لإنهاء الحرب عبر الوسيط الباكستاني، واضعة شروطاً وصفتها الأوساط الدبلوماسية بأنها “حاسمة وغير قابلة للتجزئة”، وفي مقدمتها إنهاء العمليات العسكرية في جميع الجبهات، خاصة الساحة اللبنانية، إلى جانب ضمان أمن الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز.
وجاء الرد الإيراني في توقيت شديد الحساسية، مع استمرار الهدنة الهشة وسط تصاعد التوترات العسكرية والبحرية، ما أعاد المخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع قد تتجاوز حدود الاشتباك التقليدي بين طهران وواشنطن.
مضيق هرمز يعود إلى واجهة التهديدات
وتمثل التطور الأخطر في تصاعد التوتر داخل الممرات البحرية الاستراتيجية، بعدما اشتعلت النيران في سفينة شحن قبالة السواحل القطرية، بالتزامن مع تعامل الكويت والإمارات مع طائرات مسيّرة معادية، في مشهد عكس اتساع نطاق التهديدات الأمنية في الخليج.
وفي رسالة تصعيدية مباشرة، حذر الجيش الإيراني السفن التابعة للدول التي تطبق العقوبات الأميركية من مواجهة “مشكلات” أثناء عبورها مضيق هرمز، بينما لوّح “الحرس الثوري” برد عسكري قوي ضد أي استهداف لناقلات النفط أو السفن الإيرانية.
كما وجهت الخارجية الإيرانية تحذيرات غير مسبوقة إلى البحريتين الفرنسية والبريطانية، مطالبة بعدم الانخراط في أي تحركات بحرية داعمة للولايات المتحدة داخل المنطقة، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشراً على توسع دائرة الاشتباك السياسي والعسكري إلى القوى الغربية الحليفة لواشنطن.
قطر تدخل على خط الوساطة والتحذير
وفي خضم التصعيد، دخلت الدوحة على خط الاتصالات السياسية المكثفة، حيث أجرى رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني اتصالاً بنظيره الإيراني عباس عراقجي، محذراً من استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط سياسية أو عسكرية.
وأكدت قطر أن أي تهديد للملاحة الدولية في الخليج سيؤدي إلى تعميق الأزمة الإقليمية ورفع مستويات التوتر الاقتصادي والأمني، خاصة مع ارتباط المضيق بحركة الطاقة العالمية وإمدادات النفط والغاز إلى الأسواق الدولية.
ويرى مراقبون أن التحرك القطري يعكس مخاوف خليجية متزايدة من تحول المواجهة الحالية إلى صدام مفتوح قد يهدد أمن المنطقة بالكامل، خصوصاً مع تزايد الحشود العسكرية الأميركية والغربية قرب المياه الإقليمية.
ترمب يرفع سقف التهديد العسكري
في المقابل، صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لهجته تجاه إيران، مؤكداً أن الولايات المتحدة قادرة على استهداف “كل هدف داخل إيران” خلال أسبوعين فقط، في تصريحات حملت رسائل ردع مباشرة إلى القيادة الإيرانية.
كما شدد وزير الطاقة الأميركي على ضرورة إنهاء البرنامج النووي الإيراني بشكل كامل، مع ضمان استمرار تدفق الملاحة عبر مضيق هرمز دون أي تهديدات أو عراقيل.
وتعكس التصريحات الأميركية تمسك واشنطن بخيار الضغط العسكري بالتوازي مع المسار التفاوضي، في وقت تواصل فيه القوات الأميركية تعزيز وجودها البحري في بحر العرب والخليج، عبر حاملات طائرات ومدمرات وأنظمة دفاع متطورة.
نتنياهو يتمسك بإخراج اليورانيوم الإيراني
على الجانب الإسرائيلي، أكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن الحرب لن تنتهي قبل إخراج اليورانيوم المخصب من إيران، في موقف يعكس إصرار تل أبيب على تفكيك القدرات النووية الإيرانية كجزء أساسي من أي تسوية سياسية أو عسكرية.
ويشير هذا الموقف إلى استمرار التنسيق الأميركي الإسرائيلي بشأن الملف النووي، رغم تزايد الضغوط الدولية لاحتواء التصعيد ومنع اندلاع حرب إقليمية واسعة قد تمتد تداعياتها إلى أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
المنطقة أمام اختبار مصيري
ومع استمرار التحشيدات العسكرية وتبادل الرسائل النارية، تبدو منطقة الخليج أمام واحدة من أخطر لحظات التوتر منذ سنوات، في ظل تداخل الملفات العسكرية والنووية والاقتصادية داخل مشهد شديد التعقيد.
وبينما تتمسك إيران بوقف شامل للحرب وضمانات أمنية في الخليج، تصر واشنطن وتل أبيب على إنهاء التهديد النووي الإيراني، ما يجعل فرص التهدئة مرهونة بقدرة الوسطاء الإقليميين والدوليين على منع انفجار مواجهة قد تعيد رسم خريطة الصراع في الشرق الأوسط بالكامل.




