تكشف المؤشرات الديموغرافية والصحية الصادرة عن قطاع غزة خلال الفترة الأخيرة عن تحولات حادة تتجاوز في دلالاتها البعد الإنساني المباشر، لتطرح تساؤلات أعمق حول التأثيرات البنيوية الممتدة للنزاع على قدرة المجتمع الفلسطيني على الاستمرار والتجدد، حيث لفت مركز غزة لحقوق الإنسان إلى ما وصفه بنمط ممنهج من التدهور في مؤشرات الصحة الإنجابية، في ظل تراجع غير مسبوق في أعداد المواليد وارتفاع ملحوظ في حالات الإجهاض، بما يعكس أزمة مركبة تمس البنية السكانية ذاتها.
وتشير البيانات المتداولة إلى انخفاض متسارع في معدلات الولادة خلال الأشهر الأخيرة، بالتوازي مع ارتفاع قياسي في معدلات الإجهاض، وهو ما يعكس – وفق قراءة حقوقية – اختلالاً عميقاً في الظروف الصحية والمعيشية المحيطة بالحوامل والقطاع الصحي ككل. وتُربط هذه المؤشرات بتداعيات الحرب المستمرة، بما في ذلك تدمير المنشآت الطبية، ونقص الرعاية الصحية الأساسية، وتدهور الظروف المعيشية الناتج عن الحصار والتهجير المتكرر.
الاحتلال يمارس نمط العنف الإنجابي
وفي ضوء ذلك، يطرح التقرير إطاراً تفسيرياً يعتبر أن الأزمة لم تعد تقتصر على آثار الحرب التقليدية، بل تمتد إلى ما يُوصف بتأثيرات طويلة المدى على القدرة البيولوجية للمجتمع على إعادة إنتاج نفسه، ويدعو المركز إلى تحقيق دولي مستقل في هذه المؤشرات، ولكن يظل المشهد في جوهره انعكاساً لأزمة إنسانية وصحية مركبة، تتداخل فيها العوامل العسكرية والاقتصادية والطبية، لتنتج واقعاً ديموغرافياً غير مسبوق في حدته وتداعياته.
الاحتلال الإسرائيلي يمارس نمط ممنهج، يشكّل جريمة “عنف إنجابي” مستقلة تندرج ضمن جريمة الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة منذ أكثر من 32 شهراً. حيث جاء تحذير مركز غزة لحقوق الإنسان في بيان له، استناداً إلى أحدث البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة في غزة، وأرقام مفصلة كشفتها صحيفة “فلسطين” حول معدلات المواليد والإجهاض في القطاع منذ بدء العدوان العسكري في أكتوبر 2023.
البيانات تظهر تراجعاً خطيراً في أعداد المواليد الأحياء يفوق بكثير أي تراجع طبيعي مرتبط بظروف الحروب، مستعرضاً التسلسل التنازلي الحاد خلال الأشهر الأولى من عام 2026. حيث سجلت وزارة الصحة في يناير 5210 أطفال، لينخفض العدد في فبراير إلى 3433 مولوداً، ثم واصل الانخفاض في مارس ليصل إلى 3233 مولوداً، قبل أن يشهد أبريل انحداراً حاداً بـ 2004 مواليد فقط، وهو انخفاض بنسبة 67% مقارنة بنوفمبر 2025 الذي سجل 6076 طفلاً، فيما أعلنت وزارة الداخلية تسجيل 1701 مولود جديد فقط في مايو من العام نفسه.
استهداف القدرة البيولوجية للمجتمع الفلسطيني
وعلى الصعيد السنوي، تراجعت أعداد المواليد الكلية من نحو 57 ألف مولود عام 2022، إلى 54 ألفاً عام 2023، لتصل إلى 38 ألفاً فقط عام 2024، وهو ما يمثل 38% فقط من إجمالي مواليد ما قبل الحرب. وبالموازاة مع انهيار المواليد، كشفت المعطيات عن قفزة قياسية في حالات الإجهاض؛ حيث سُجّلت 921 حالة إجهاض في شهر أبريل 2026 وحده، بمعدل 460 حالة لكل ألف ولادة حية، أي ما يعادل 46% من الحمول المسجلة. حسب وكالة شهاب.
هذه المؤشرات – حسب المركز الحقوقي – تكشف عن بعد بالغ الخطورة يتجاوز القتل المباشر إلى استهداف القدرة البيولوجية للمجتمع الفلسطيني على التجدد والاستمرار، لافتاً إلى أن المادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية تعرّف الإبادة بأنها تشمل فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة، وهو ما يتحقق فعلياً بخلق ظروف معيشية وصحية تدميرية تؤدي لتقويض قدرة الجماعة على إعادة إنتاج نفسها عبر الأجيال.
وتشير التقديرات إلى الأفعال المتداخلة التي أثرت مباشرة على الصحة الإنجابية، وفي مقدمتها التدمير الواسع للمستشفيات ومراكز الرعاية الأولية وأقسام الولادة ومراكز علاج العقم والإخصاب المساعد، بما في ذلك تدمير الأجنة المجمدة، واستهداف الكوادر الطبية بالقتل أو الاعتقال.
تدخل عاجل لوقف الهجمات العسكرية
كما أن فرض التجويع الجماعي وسوء التغذية الحاد، والتهجير القسري المتكرر، وإجبار الحوامل على العيش في ظروف غير إنسانية تفتقر للخصوصية والرعاية، إلى جانب الصدمات النفسية المستمرة، كلها عوامل ترتبط طبياً بزيادة مخاطر الإجهاض والولادات المبكرة ومضاعفات الحمل. وأكد مركز غزة أن هذه الممارسات التراكمية تقترن بالقصد الجنائي المتمثل في نية التدمير الكلي أو الجزئي للجماعة الفلسطينية بصفتها جماعة قومية.
وطالب المركز الحقوقي، المجتمع الدولي بالتعامل مع هذه الأرقام باعتبارها دليلاً مادياً يتطلب تحقيقاً دولياً مستقلاً، داعياً إلى ضرورة التدخل العاجل لوقف الهجمات العسكرية، واستعادة خدمات الصحة الإنجابية فوراً، وضمان تدفق الأغذية والأدوية المخصصة للحوامل والمواليد الجدد، ومحاسبة المسؤولين عن هذه السياسات.
وكان قطاع غزة قد سجل نحو 6 آلاف حالة إجهاض خلال عام 2025 بأكمله، بينما تتراوح الأرقام في شهور عام 2026 بين 500 و600 حالة شهرياً، وهو ما يمثل ارتفاعاً بنسبة 225% عن المعدلات الطبيعية السابقة للحرب، ويتجاوز بمراحل أي سيناريو متوقع حتى في أشد بيئات النزاع قسوةً.




