أثار نصب بوابة حديدية بين سوق القطانين وباب الحديد بالقدس المحتلة، مخاوف مقدسية من مخطط أوسع لإعادة هندسة المجال المكاني والأمني في محيط المسجد الأقصى، حيث يرى مقدسيون أن الخطوة تتجاوز البعد التنظيمي أو الأمني، لتندرج ضمن سياسة تهدف إلى إحكام السيطرة على حركة الفلسطينيين وتقييد وصولهم داخل الأحياء والأسواق التاريخية، وسط تحذيرات من فرض نموذج مشابه لما يجري في الخليل، حيث تتحكم الحواجز والبوابات بتفاصيل الحياة اليومية للسكان.
“البوابة الجديدة “لا تحمل طابعاً تنظيمياً كما يدّعي الاحتلال، بل هي أداة سيطرة مباشرة على حركة الفلسطينيين داخل البلدة القديمة”، و”تمنح المستوطنين القدرة على إغلاق الممر متى شاؤوا، بما يتيح لهم فرض سيطرتهم في قلب سوق القطانين”. حسب تصريحات الناشط المقدسي ناصر قوس لوكالة شهاب.
إعادة تشكيل الواقع الديمغرافي
خطورة الإجراء – حسب قوس – لا تتوقف عند البعد الرمزي أو الأمني، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للمقدسيين، إذ “سيجد السكان أنفسهم أمام إغلاق فعلي لممراتهم الرئيسية، ما يعني عزل منازل بأكملها خلف بوابة تُفتح وتُغلق وفق مزاج المستوطنين أو قرارات الاحتلال”. ويقع الممر المستهدف بين سوق القطانين وباب الحديد، وهو أحد الشرايين التاريخية التي تربط أحياء البلدة القديمة بالمسجد الأقصى، كما يمر عبره المصلون والتجار والسكان بشكل يومي، ما يجعل أي تغيير فيه ذا أثر مباشر على الحركة الاقتصادية والاجتماعية في المدينة المقدسة.
السياسات الإسرائيلية المتبعة في مدينة القدس، بما فيها نصب الحواجز وتوسيع إجراءات التضييق الأمني وممارسات المستوطنين، تهدف في مجملها إلى إعادة تشكيل الواقع الديمغرافي في المدينة، ودفع السكان الفلسطينيين تدريجياً إلى مغادرة البلدة القديمة باتجاه شمال القدس، ولا سيما إلى منطقة بيت حنينا. حسب الباحث والخبير في شؤون الاستيطان خليل التفكجي.
ويقول التفكجي إن الصراع في القدس “ليس صراعاً اقتصادياً، بل صراع ديمغرافي بالدرجة الأولى”، يقوم على محاولات مستمرة لرفع نسبة الوجود اليهودي في المدينة على حساب الأغلبية الفلسطينية، ضمن مخططات بدأت تتبلور بشكل واضح منذ عام 2017 تحت ما يُعرف بخطة “إنقاذ القدس”.
إحكام السيطرة على المراكز الدينية والتاريخية
ويضيف أن السياسات الإسرائيلية لا تقتصر على القدس القديمة، بل تشمل مشروعاً أوسع يقوم على دمج شطري المدينة الغربي المحتل عام 1948 والشرقي المحتل عام 1967، من خلال ربط البنية التحتية، وشق الطرق الالتفافية، وتكثيف البؤر الاستيطانية داخل الأحياء الفلسطينية، بما يجعل إمكانية قيام دولة فلسطينية “أمراً بالغ الصعوبة”.
ويشير الخبير في شؤون الاستيطان، إلى أن الاحتلال فرض مؤسساته السيادية في شرقي القدس ، مثل وزارة الداخلية ومؤسسة التأمين الوطني والخدمات الاجتماعية، في إطار عملية “تفكيك تدريجي” للنسيج الجغرافي الفلسطيني، موضحاً أن ذلك أدى إلى تقطيع أوصال المدينة في عدة مناطق، من بينها كرم المفتي ورأس العامود وسلوان وباب الهوى.
ويرجح التفكجي إمكانية أن تتجه إسرائيل إلى تطبيق نموذج مشابه لما هو قائم في مدينة الخليل داخل القدس، مستفيدة من الظروف السياسية والأمنية الراهنة، حيث صادق “الكابينت” الإسرائيلي مؤخراً على نقل صلاحيات بلدية الخليل في مجالي البناء والتخطيط داخل البلدة القديمة إلى “الإدارة المدنية الإسرائيلية”، في خطوة تعكس استمرار سياسة فرض الوقائع على الأرض. وفي ظل هذا المشهد، تبدو البوابة الحديدية في سوق القطانين أكثر من مجرد إجراء أمني، بل خطوة إضافية في مسار طويل لإعادة رسم شكل الحياة داخل القدس، وإحكام السيطرة على أحد أهم مراكزها الدينية والتاريخية.
التحكم في دخول المصلين
وتشير معطيات ميدانية إلى أن البوابة الجديدة لا تقف وحدها، إذ سبقتها سلسلة من الحواجز والنقاط العسكرية داخل البلدة القديمة، ليصل عددها إلى ما لا يقل عن ثمانية، في وقت تتوسع فيه البؤر الاستيطانية داخل الأحياء الفلسطينية المحيطة، خصوصاً قرب “حوش دودو” والممرات المؤدية إلى الأقصى.
وتُستخدم البوابة، وفق تقديرات مقدسية، للتحكم بطريق رئيسي يسلكه المصلون نحو المسجد الأقصى، ما يفرض عليهم في حال إغلاقها سلوك مسارات بديلة أطول وأكثر تعقيداً، ويزيد من حالة الإرهاق اليومي المفروضة على السكان تحت وطأة الإجراءات الأمنية المتصاعدة.
ويعيد هذا الإجراء إلى الأذهان “هبة البوابات الإلكترونية” التي اندلعت في القدس عام 2017، حين انتفض الفلسطينيون رفضاً لمحاولة الاحتلال نصب بوابات إلكترونية على أبواب المسجد الأقصى، بهدف التحكم في دخول المصلين وتنظيمه أمنياً، قبل أن يتراجع الاحتلال عن تلك الإجراءات تحت ضغط المواجهة الشعبية الواسعة.




