شهد جنوب لبنان تصعيدًا عسكريًا جديدًا، الثلاثاء، بعد سلسلة غارات جوية إسرائيلية عنيفة أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 19 شخصًا، بينهم نساء وأطفال، في تطور يعكس هشاشة اتفاق وقف إطلاق النار القائم، ويثير مخاوف من اتساع رقعة المواجهة مجددًا بين إسرائيل و«حزب الله».
ويأتي هذا التصعيد في وقت لا تزال فيه الجهود الدولية، خصوصًا الأمريكية، تحاول الحفاظ على الهدنة في لبنان ومنع انزلاق المنطقة إلى جولة حرب جديدة، وسط مؤشرات ميدانية توحي بأن التهدئة لا تزال تواجه اختبارات قاسية على الأرض.
دير قانون النهر.. المشهد الأكثر مأساوية
كانت بلدة دير قانون النهر التابعة لقضاء صور الساحلي الأكثر تضررًا من الغارات الأخيرة، بعدما أعلنت الحكومة اللبنانية أن إحدى الضربات الجوية استهدفت منزلًا سكنيًا بشكل مباشر، ما أدى إلى مقتل عشرة أشخاص دفعة واحدة، بينهم ثلاث نساء وثلاثة أطفال، إضافة إلى إصابة ثلاثة آخرين بينهم طفل.
ووفق المعلومات الرسمية، أدى القصف إلى تدمير المنزل بالكامل، فيما تحدثت تقارير محلية عن بقاء عدد من السكان تحت الأنقاض لساعات قبل أن تتمكن فرق الإنقاذ من انتشال الضحايا.
وعكست المشاهد القادمة من البلدة حجم الدمار الكبير الذي طال المنطقة، إذ تحولت الأبنية إلى ركام، بينما واصل الأهالي وفرق الإسعاف عمليات البحث بين الأنقاض في محاولة للوصول إلى ناجين محتملين.
النبطية وكفرسير تحت القصف
ولم تتوقف الغارات عند دير قانون النهر، إذ امتدت إلى مدينة النبطية الجنوبية، حيث أعلنت وزارة الصحة اللبنانية سقوط أربعة قتلى وإصابة عشرة آخرين، بينهم امرأتان.
وفي بلدة كفرسير المجاورة، أدت غارة ثالثة إلى مقتل خمسة أشخاص، بينهم امرأة، في مؤشر على اتساع نطاق العمليات الجوية واستهداف أكثر من منطقة في توقيت متزامن.
وتشير هذه التطورات إلى تصاعد واضح في وتيرة الضربات خلال الساعات الأخيرة، مقارنة بالأيام السابقة، ما يعزز المخاوف من انتقال المواجهات إلى مرحلة أكثر حدة.
إسرائيل: استهدفنا بنية تحتية لـ«حزب الله»
في المقابل، لم يصدر الجيش الإسرائيلي تعليق مباشر بشأن أعداد الضحايا المدنيين أو المواقع المستهدفة بالتحديد، لكنه أعلن تنفيذ عمليات واسعة استهدفت أكثر من 25 موقعًا قال إنها تتبع البنية التحتية العسكرية لـ«حزب الله» في جنوب لبنان خلال الفترة الممتدة بين ظهر الإثنين والثلاثاء.
ويأتي هذا الإعلان في إطار الرواية الإسرائيلية التي تؤكد أن عملياتها تستهدف مواقع عسكرية ومنشآت مرتبطة بالحزب، بينما تتهم أطراف لبنانية إسرائيل بتنفيذ ضربات واسعة النطاق في مناطق مأهولة بالسكان.
ويعيد ذلك الجدل المتكرر بشأن طبيعة الأهداف العسكرية وتأثير العمليات الجوية على المدنيين، خصوصًا في المناطق الحدودية التي شهدت خلال الأشهر الماضية موجات متلاحقة من القصف المتبادل.
كيف بدأت الجولة الجديدة من التصعيد؟
بدأت أحدث موجة من المواجهات بين إسرائيل و«حزب الله» في الثاني من مارس، عندما أطلق الحزب صواريخ باتجاه إسرائيل، وذلك بعد يومين فقط من الهجوم المشترك الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.
ومنذ ذلك الوقت، تحولت الجبهة اللبنانية مجددًا إلى ساحة اشتباك مفتوحة تشهد ضربات متبادلة بوتيرة شبه يومية، الأمر الذي أعاد المنطقة إلى أجواء التوتر التي سادت خلال فترات الحرب السابقة.
ويرى مراقبون أن ارتباط التطورات في لبنان بالتصعيد الإقليمي الأوسع يجعل احتمالات التهدئة أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع تشابك ملفات إيران وإسرائيل والولايات المتحدة ضمن مشهد إقليمي شديد الحساسية.
هدنة ممددة.. لكن النار لا تتوقف
ويكتسب التصعيد الأخير أهمية إضافية لأنه يأتي بعد أيام قليلة من تمديد اتفاق الهدنة الذي توسطت فيه الولايات المتحدة لمدة 45 يومًا إضافية، وهو الاتفاق الساري منذ 17 أبريل.
وكانت الآمال معلقة على أن يؤدي تمديد الهدنة إلى خفض مستوى العنف وإفساح المجال أمام حلول سياسية وأمنية طويلة الأمد، إلا أن الوقائع الميدانية تشير إلى استمرار الاشتباكات والهجمات الجوية بشكل شبه يومي في لبنان.
وتطرح هذه التطورات تساؤلات متزايدة حول قدرة الوسطاء الدوليين على الحفاظ على اتفاق وقف إطلاق النار، خاصة في ظل استمرار الاتهامات المتبادلة والانتهاكات الميدانية المتكررة.
أرقام تعكس حجم المأساة
ويأتي القصف الجديد بعد يوم واحد فقط من تجاوز حصيلة ضحايا أحدث جولة من القتال بين إسرائيل و«حزب الله» حاجز ثلاثة آلاف قتيل، في رقم يكشف حجم الخسائر البشرية الكبيرة التي خلفتها المواجهات المستمرة.
ومع استمرار الغارات والردود العسكرية، تتزايد المخاوف من أن تتحول الاشتباكات المحدودة إلى مواجهة أوسع قد تدفع المنطقة بأكملها نحو مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.
وبين هدنة قائمة على الورق وتصعيد حاضر على الأرض، يبقى جنوب لبنان عالقًا بين آمال التهدئة وواقع النار المتجددة.




