يواجه اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل اختبارًا بالغ الصعوبة، مع تصاعد التوترات الميدانية في جنوب لبنان، وسط مؤشرات متزايدة على اهتزاز الهدنة التي جرى تمديدها مؤخرًا بوساطة أميركية، في ظل تبادل الاتهامات بين تل أبيب و«حزب الله» بشأن المسؤولية عن تدهور الوضع الأمني.
وشهدت الساعات الأخيرة تصعيدًا عسكريًا لافتًا تمثل في عشرات الغارات الإسرائيلية على مناطق جنوبية، بالتوازي مع قصف استهدف قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، ما أعاد المشهد الحدودي إلى دائرة الاشتباك المفتوح، وطرح تساؤلات حول مستقبل التفاهمات التي جرى التوصل إليها لاحتواء التصعيد.
إسرائيل توسع نطاق الإنذارات
وفي تطور وصف بأنه الأخطر منذ بدء سريان الهدنة، وسعت إسرائيل إنذارات الإخلاء لتشمل سبع بلدات تقع شمال نهر الليطاني، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشرًا على تحول نوعي في قواعد الاشتباك، بالنظر إلى أن هذه المناطق لم تكن ضمن نطاق التحذيرات السابقة منذ بدء تنفيذ الاتفاق قبل عشرة أيام.
ويعكس هذا التوسع، بحسب تقديرات سياسية، رغبة إسرائيلية في ممارسة ضغوط ميدانية وسياسية متزامنة، سواء لدفع «حزب الله» إلى التراجع، أو لإعادة رسم حدود الردع في جنوب لبنان، خاصة مع استمرار المخاوف من انزلاق المواجهة إلى جبهة أوسع.
وعلى وقع التصعيد، صعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لهجته، متهمًا «حزب الله» بتقويض اتفاق وقف النار، مؤكدًا أن إسرائيل تتحرك وفق التفاهمات المبرمة، مع التمسك بما وصفه بـ«حرية العمل» للرد على أي تهديدات.
وتشير هذه التصريحات إلى تمسك تل أبيب بهامش عمليات عسكرية واسع، حتى في ظل وجود اتفاق هدنة، وهو ما يثير مخاوف من أن تتحول الترتيبات الحالية إلى غطاء هش لا يمنع تجدد المواجهات، بل ربما يؤجل انفجارها فقط.
ويرى محللون أن حديث نتنياهو عن حرية التحرك يحمل رسائل مزدوجة؛ الأولى داخلية مرتبطة بإظهار الحزم العسكري، والثانية خارجية موجهة للوسطاء الدوليين بأن إسرائيل لن تقبل بقيود تحد من عملياتها في الجنوب.
«حزب الله» يرفض الاتهامات ويتوعد بالرد
في المقابل، رفض «حزب الله» الاتهامات الإسرائيلية، معتبرًا أنها محاولة لتبرير استمرار الضربات العسكرية، ومؤكدًا أن الرهان على المسار الدبلوماسي لم يحقق نتائج ملموسة.
وجاءت لهجة الحزب التصعيدية لتكشف أن خيار الرد العسكري ما زال مطروحًا بقوة، وهو ما يزيد هشاشة وقف النار، خصوصًا مع تراجع الثقة المتبادلة بين الطرفين، وغياب ضمانات كافية تمنع الانزلاق نحو مواجهة أشمل.
وتعكس هذه المواقف المتشددة من الجانبين أن الهدنة الحالية لا تستند إلى تسوية سياسية راسخة، بل إلى توازن ردع قابل للاهتزاز عند أي تطور ميداني مفاجئ.
الهدنة بين ضغوط الميدان واختبار الوساطات
ويضع التصعيد المتسارع الجهود الدولية، ولا سيما الوساطة الأميركية، أمام اختبار معقد، في وقت كان يُنظر فيه إلى تمديد وقف إطلاق النار باعتباره فرصة لتثبيت التهدئة وفتح المجال أمام تفاهمات أوسع.
لكن التطورات الميدانية الأخيرة أظهرت أن الاتفاق لا يزال هشًا، وأن الضمانات السياسية والأمنية المصاحبة له غير كافية لاحتواء التوتر، خاصة مع استمرار الغارات والتهديدات المتبادلة.
ويرى مراقبون أن قدرة الوسطاء على منع انهيار الهدنة ستتوقف على سرعة احتواء الخروقات، وإعادة الأطراف إلى الالتزام بقواعد الاشتباك القائمة، قبل أن يتحول التصعيد الحالي إلى مسار يصعب احتواؤه.
الجنوب اللبناني أمام مرحلة شديدة الحساسية
المشهد الراهن يعكس دخول جنوب لبنان مرحلة دقيقة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الضغوط السياسية والإقليمية، في ظل مخاوف من أن يكون وقف النار قد انتقل من مرحلة «التهدئة المؤقتة» إلى «الترنح الفعلي».
ومع اتساع نطاق الضربات، وتزايد التحذيرات، وتبادل الرسائل النارية بين الجانبين، تبدو المنطقة أمام مفترق طرق حاسم؛ إما إنقاذ الهدنة عبر تدخلات سياسية عاجلة، أو الانزلاق مجددًا إلى مواجهة مفتوحة قد تحمل تداعيات أوسع على المشهد الإقليمي بأكمله.




