في قلب غزة المنكوبة، يتناثر مشهد الحرفيين والصنّاع الذين وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة حرب لم تترك لهم سوى الرماد والفراغ. لم تعد الورش الصغيرة التي كانت تضج بأصوات المطارق وآلات الخياطة، سوى هياكل محطمة غطاها الغبار. ومع ذلك، فإن أصحابها ما زالوا يقاومون بطرق بسيطة ليؤمّنوا لقمة العيش.
ابتسامة حزينة
محمد، النجار الذي فقد ورشته في قصف استهدف سوقًا شعبية، بات اليوم يضع أدواته القليلة المتبقية تحت خيمة صغيرة، يصلح بها الأبواب والنوافذ المتهالكة التي ينجو بعضها من تحت الركام. يقول إن رائحة الخشب لم تفارقه منذ طفولته، وإنه يحاول أن يعلّم ابنه المراهق المهنة حتى ولو وسط أصوات الطائرات.
أما سمر، الخياطة التي كانت تطرز فساتين الزفاف، فقد تحولت ماكينتها القديمة إلى وسيلة لتصليح الملابس البالية التي تصلها من الجيران. تبتسم بحزن حين تروي كيف تغيّر عملها: “لم يعد هناك عرائس ولا مناسبات، لكن الناس بحاجة لثوب نظيف ومرقع ليقاوموا الحياة”.
روح الحرفيين
وفي حي آخر، يقف أبو محمود، الحداد الذي كان يصنع أبوابًا حديدية متينة للبيوت، اليوم يعيد تشكيل قضبان محطمة ليصنع منها مواقد بدائية تطهو عليها العائلات طعامها القليل. يرى في هذه المواقد “أبواب حياة” لا تقل أهمية عن الأبواب التي اعتاد صنعها.
الحرب أغلقت الورش، وقطعت الكهرباء، وشلّت حركة السوق، لكن لم تستطع أن تُطفئ روح الحرفيين. بعضهم يبادل خدماته بالطعام أو الخبز، وبعضهم يكتفي بالقليل من النقود التي بالكاد تشتري كيس طحين. ورغم كل القسوة، يصرّون على البقاء، لأنهم يعرفون أن المهنة بالنسبة لهم ليست مجرد مصدر رزق، بل شهادة صمود في وجه الدمار.






