يُعدّ قرار الجزائر رفع تحفظها عن الفقرة الرابعة من المادة 15 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) تحولاً مهماً في مسار المساواة بين الجنسين، وخطوة تُظهر استعداد الدولة لإعادة النظر في منظومتها القانونية بما يتماشى مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان. فالقرار، الذي يمنح المرأة الجزائرية حرية التنقل واختيار محل الإقامة على قدم المساواة مع الرجل، لا يحمل فقط بعداً قانونياً، بل يعكس تحوّلاً رمزياً واجتماعياً في تصور دور المرأة داخل الأسرة والمجتمع.
القرار بين الترحيب والرفض
منذ عقود، كانت المرأة الجزائرية مقيدة بقوانين وأعراف تضعها تحت وصاية الأب أو الزوج، وتجعل قراراتها المصيرية، كالسفر أو السكن، رهينة موافقة وليّ الأمر. وقد جسّد هذا الواقع مزيجاً من الموروث الديني والاجتماعي الذي منح الرجل سلطة قانونية ومعنوية على المرأة. لكن رفع التحفّظ يُعد بمثابة كسر لهذا القيد، واعتراف رسمي باستقلالية المرأة وقدرتها على اتخاذ قراراتها بنفسها. ومن هنا، فإن الخطوة تمثل لحظة فارقة في تاريخ الحركة النسوية الجزائرية التي ناضلت طويلاً ضد هيمنة “قانون الأسرة” الذي وُصف بأنه من أكثر القوانين تمييزاً في العالم العربي.
من جهة، رحّبت المنظمات النسوية والمدنية بالخطوة باعتبارها نصراً حقوقياً طال انتظاره، ورأت فيها بداية لإصلاحات أعمق يمكن أن تطال قوانين الإرث والزواج والطلاق والحضانة، بما يحقق مساواة حقيقية بين الجنسين. أما من الجهة الأخرى، فقد اعتبرت التيارات المحافظة القرار تهديداً للأسرة الجزائرية، ورأت فيه انزلاقاً نحو “النموذج الغربي” البعيد عن المرجعية الدينية والثقافة المحلية. هذا الجدل يعكس التحدي الأكبر الذي تواجهه الجزائر اليوم: كيف توفّق بين التزاماتها الدولية في مجال حقوق المرأة وبين الحساسية المجتمعية التي لا تزال متمسكة بالأدوار التقليدية للجنسين؟
رسالة إلى الخارج
ورغم أهمية الخطوة، إلا أن تأثيرها العملي يظل مشروطاً بمدى تطبيقها على أرض الواقع. فالقانون، مهما بلغ تقدّمه، يظل عاجزاً عن تغيير العقليات ما لم تُرافقه سياسات تثقيفية وتوعوية تزرع في النساء الوعي بحقوقهن وتكسر حاجز الخوف الاجتماعي. الواقع الاجتماعي الجزائري لا يزال متناقضاً: ففي المدن الكبرى تزداد مظاهر استقلال المرأة، بينما تبقى المناطق الريفية محافظة، تُقيد حرية النساء في السفر أو العمل بذريعة التقاليد. وهنا تبرز الحاجة إلى شبكة دعم مؤسسية قوية تشمل مراكز إيواء، خطوط مساعدة قانونية ونفسية، وآليات تنفيذ فعالة تضمن احترام القانون وحماية النساء من الضغوط العائلية.
البعد السياسي للقرار لا يمكن تجاهله أيضاً. فاختيار الجزائر هذا التوقيت لرفع التحفّظ يأتي في سياق دولي تسعى فيه الدولة إلى تحسين صورتها الحقوقية وتعزيز علاقاتها مع شركائها الأوروبيين والأفارقة. ومع اقتراب المراجعة الدورية لسجل الجزائر في مجلس حقوق الإنسان، تبدو الخطوة بمثابة رسالة موجهة إلى الخارج بأن البلاد تسير في مسار إصلاحي منفتح. غير أن هذا البعد الخارجي لا ينتقص من القيمة الجوهرية للقرار، بل يُظهر أن الضغوط الدولية يمكن أن تكون محفزاً لتبني إصلاحات داخلية تساهم في تعزيز العدالة الاجتماعية.
تقدم ملموس في مجال حقوق المرأة
يبقى السؤال الجوهري هو ما إذا كان رفع التحفّظ سيقود إلى مراجعة شاملة لقانون الأسرة الجزائري، الذي يُعد محور التمييز القانوني ضد النساء. فالمادة 151 من الدستور الجزائري تنص على أن المعاهدات الدولية تسمو على القوانين الوطنية، ما يجعل الخطوة الحالية ملزمة للمشرّع. وإذا جرى تفعيل هذا المبدأ فعلياً، فإن الطريق سيكون مفتوحاً أمام إصلاحات أعمق يمكن أن تضع الجزائر في مصاف الدول العربية التي حققت تقدماً ملموساً في مجال حقوق المرأة، مثل تونس والمغرب.
إن قرار الجزائر لا يمكن النظر إليه كتنازل أمام ضغوط خارجية، بل كإشارة إلى تحوّل تدريجي في رؤية الدولة والمجتمع لدور المرأة. فهو خطوة نحو الاعتراف بأن النساء لسن “ملحقات” بأوليائهن، بل فاعلات قادرات على تقرير مصيرهن. ومع ذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في النصوص، بل في النفوس — في مدى استعداد المجتمع لتقبّل المساواة كشراكة حقيقية لا كتهديد لبنيته الثقافية. ولذلك، يُعدّ رفع التحفّظ خطوة أولى في مسار طويل نحو ترسيخ العدالة الجندرية في الجزائر، مسار يتطلب شجاعة تشريعية، وإرادة سياسية، وتغييراً عميقاً في الوعي الجمعي.




