تعكس قصة عائلة اليازجي في مدينة غزة صورة مكثفة للكلفة الإنسانية العميقة للحرب المستمرة في قطاع غزة، حيث تتقاطع المأساة الفردية مع واقع جماعي يطال معظم السكان. فقدان أربعين فرداً من عائلة واحدة في غارة جوية واحدة لا يمثل حادثة معزولة، بل يجسد نمطاً من الدمار الواسع الذي أصاب البنية العائلية والاجتماعية في القطاع منذ اندلاع المواجهة بين إسرائيل وحماس في أكتوبر 2023.
يكتسب الحدث بعداً رمزياً خاصاً لوقوعه في شهر رمضان، الذي يُعد تقليدياً موسماً للترابط العائلي والتكافل الاجتماعي. غير أن طقوس الإفطار، التي كانت تجمع العائلة حول مائدة عامرة، تحولت إلى لحظة استذكار للفقدان وسط الركام. هذا التحول من الاحتفال بالحياة إلى الحداد الجماعي يبرز كيف غيّرت الحرب الإيقاع الاجتماعي والروحي للسكان، وأفرغت المناسبات الدينية من بعدها الاحتفالي لصالح شعور دائم بالفقد.
مأساة عائلة اليازجي
مع غروب الشمس، يتناول صدام اليازجي وزوجته وابنتهما حساء المعكرونة، مُنهين صيامهم الرمضاني اليومي في مدينة غزة. يجلسون حول طاولة قابلة للطيّ نُصبت على الأرض عند سفح كومة شاهقة من الأنقاض والمعادن الملتوية وألواح الخرسانة التي كانت منزلهم في يوم من الأيام.
هؤلاء الثلاثة هم الناجون الوحيدون من العائلة تقريباً. فقد قُتل والدا اليازجي وإخوته الثلاثة وأخته، بالإضافة إلى معظم أطفالهم، ووالدا زوجته وإخوتها – أي 40 فرداً من الأقارب – جميعهم في غارة واحدة عندما قصفت القوات الإسرائيلية المنزل في ديسمبر 2023.
يُعد شهر رمضان المبارك تقليدياً وقتاً للعائلة، حيث تُقام فيه تجمعات كبيرة واحتفالية لتناول وجبة الإفطار، وهي وجبة غروب الشمس التي تُنهي الصيام اليومي. أما في قطاع غزة، فقد أصبح هذا الشهر موسماً تُثقل فيه خسائر الحرب كاهل العديد من العائلات التي فقدت أحباءها على يد القوات الإسرائيلية التي تُقاتل حماس منذ أكثر من عامين. مدينة غزة، حسب وكالة أسوشيتد برس.
بكاء على مائدة رمضان
قال اليازجي البالغ من العمر 35 عاماً: “أنظر إلى صور تجمعاتنا في رمضان وأبكي. أين عائلتي؟ لقد فُني الجميع. هذا هو رمضان الثالث بدونهم”. تذكرت زوجة صدام، هبة اليازجي، أنه خلال شهر رمضان قبل الحرب، كان والد اليازجي، كامل اليازجي، يجمع جميع أبنائه وأحفاده لتناول الإفطار حول مائدة كبيرة مليئة باللحم والأرز وأطباق أخرى.
يُعد شهر رمضان، الذي يصوم فيه المسلمون من الفجر إلى غروب الشمس، شهراً مخصصاً للتأمل الديني والعبادة. كما أنه يعزز الروابط المجتمعية من خلال إخراج الصدقات. كان اليزجي الأب قاضياً سابقاً في السلطة الفلسطينية وشخصية رياضية بارزة في غزة، حيث شغل منصب رئيس الاتحاد الفلسطيني لألعاب القوى. وكان صدام اليزجي يكسب رزقه من إدارة سوبر ماركت في الطابق الأرضي من منزل العائلة المكون من أربعة طوابق في حي الرمال بمدينة غزة .
جاءت الغارة الجوية بعد بضعة أشهر فقط من بدء القصف الإسرائيلي الشرس الذي شن بعد الهجوم الذي قادته حماس على جنوب إسرائيل في أكتوبر 2023. تم تسوية المنزل بالأرض فوق كل من كان بداخله.
كيف نجا اليازجي من الغارات الإسرائيلي؟
قال صدام اليازجي: “كنا في نفس المنزل، في جزء آخر منه. لقد نجونا بأعجوبة”. الناجيان الآخران الوحيدان هما ابنة أحد إخوته وزوجته الحامل. وكان من بين القتلى 22 طفلاً. تم انتشال بعض الجثث في حينه. أحد إخوة اليازجي مدفون في قبر مُعلّم بعصي عند سفح المنزل المدمر. ولا يزال نحو عشرين من أقاربه مدفونين تحت الأنقاض.
بعد الغارة، عاش الزوجان وابنتهما مريم، البالغة من العمر 11 عامًا، في خيمة في مكان آخر من مدينة غزة طوال معظم فترة الحرب. وخلال شهرَي رمضان السابقين، حاولوا قدر الإمكان زيارة أنقاض منزلهم وتناول الإفطار هناك. عندما دخلت اتفاقية وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر، انتقل الثلاثة إلى خيمة بجوار منزلهم القديم.
قالت هبة اليازجي: “الحياة فارغة. لقد أخذت الحرب كل شيء مني. نتمنى لو متنا معهم بدلاً من أن نبقى وحدنا”. طوال فترة الحرب، شنت إسرائيل غارات على منازل ومخيمات خيام تأوي فلسطينيين، ما أسفر في كثير من الأحيان عن مقتل أعداد كبيرة من العائلات دفعة واحدة. وتزعم إسرائيل أنها تستهدف مقاتلي حماس، لكنها نادراً ما تفصح عن هوية الأهداف المحددة.
أسفرت الحملة الإسرائيلية عن استشهاد أكثر من 72 ألف شخص، نصفهم تقريباً من النساء والأطفال، وفقاً لوزارة الصحة في غزة. وتحتفظ الوزارة، التابعة لحكومة حماس، بسجلات مفصلة للضحايا تُعتبر موثوقة عموماً من قبل وكالات الأمم المتحدة وخبراء مستقلين، إلا أنها لا تُفصّل أعداد المدنيين والمسلحين.
جثث تحت الأنقاض
لا يزال نحو 8000 شخص مدفونين تحت أنقاض منازلهم المدمرة، وفقًا لوزارة الداخلية. وكان انتشال معظم هذه الجثث مستحيلاً خلال الغارات الجوية والاعتداءات البرية. وفي ظل وقف إطلاق النار، تكثفت جهود الإنقاذ، إلا أنها لا تزال تعاني من نقص المعدات الثقيلة.
اندلعت الحملة الإسرائيلية رداً على هجوم حماس الذي أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص في إسرائيل واحتجاز أكثر من 250 آخرين كرهائن. وقد أُطلق سراح الرهائن، في الغالب بموجب اتفاقيات وقف إطلاق النار.
فقد معظم سكان غزة أفراداً من عائلاتهم الممتدة على الأقل. ويعيش ما يقارب 2.1 مليون نسمة بلا مأوى، معظمهم في مخيمات خيام واسعة. وقد تضررت أو دُمرت أكثر من 80% من مباني القطاع. امتدت مناظر الأنقاض التي كانت تشكل في السابق حي الرمال حول مائدة رمضان الصغيرة حيث تناول الناجون الثلاثة من عائلة اليازجي وجبتهم.
استذكر صدام اليازجي “مائدة الطعام الكبيرة” التي كانت تجمع عائلته في رمضان في السنوات الماضية، وكيف كانوا جميعًا يتطلعون إليها كل عام “أشعر وكأنني خنتهم بمجرد بقائي على قيد الحياة”.





