تحولت شوارع قطاع غزة إلى ساحة معاناة مفتوحة، حيث لم تعد أزمة المواصلات مجرد تحدٍ خِدمي، بل انعكاس مباشر لانهيار البنية التحتية وتفاقم الحصار المستمر منذ سنوات. ومع تدمير آلاف المركبات ونفاد الوقود وغياب قطع الغيار، بات التنقل داخل القطاع رحلة شاقة تتطلب وقتًا وجهدًا يفوقان قدرة السكان، في ظل ظروف إنسانية متدهورة تضيق فيها خيارات الحياة يوماً بعد يوم.
وفي هذا الواقع المعقد، يجد أكثر من مليوني فلسطيني أنفسهم أمام معادلة قاسية، حيث يتحول الوصول إلى العمل أو العلاج أو حتى زيارة الأقارب إلى مغامرة يومية محفوفة بالمخاطر، تتداخل فيها الأعباء الاقتصادية مع المعاناة الجسدية. وبين الاعتماد على وسائل نقل بدائية أو السير لمسافات طويلة وسط الركام، تتكشف أزمة أعمق تعكس تأثير الحرب والحصار على أدق تفاصيل الحياة، لتصبح المواصلات في غزة عنوانًا جديدًا لمعركة البقاء.
غلاء أسعار قطع الغيار تفاقم معاناة المواصلات
وتشمل أزمة الغلاء مختلف قطع الغيار الأساسية، من المحركات والمكابح (الفرامل) والبطاريات والمولدات والمراوح و”الروديترات” والإطارات، إلى الأبواب والمصدات والرفارف والزيوت، إضافة إلى الأضواء الأمامية والخلفية والزجاج وغيرها، ما جعل صيانة المركبات عبئًا يفوق قدرة السائقين والمواطنين على تحمله.
في تقاطع مدمر بمواصي مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، يقف حسام مسلم (35 عاماً) بانتظار وسيلة نقل تقله إلى العمل، ويقول: “نعاني كثيراً من مشكلة المواصلات، بصراحة الكلمات لا تستطيع وصف ما نمر به فقد تنتظر ساعات سيارة أو “التوكتوك”، أو عربة قد لا تأتي أبداً. أحياناً تضطر إلى تغيير مسارك بالكامل أو تقطع مسافة طويلة سيرا على الأقدام”. حسب وكالة وفا.
ويتابع مسلم الذي يعمل ممرضا في إحدى النقاط الطبية هناك: “الرحلة التي كانت تستغرق عشر دقائق قد تستهلك يوماً كاملاً. وسائل النقل الحالية غير مريحة وغير آمنة، فـ”التوكتوك” والعربات لم تصمم لعبور شوارع مليئة بالحفر والركام بفعل قصف الاحتلال الشديد على مدن القطاع وشوارعه. في أي لحظة تشعر أنك قد تسقط، تفكر باستمرار في حياتك وأن تنجو من كل رحلة”.
كيف ندفع ثمن التنقل؟
أما أم عيد جابر (50 عاما)، النازحة إلى مواصي خان يونس بعد أن دمر الاحتلال الإسرائيلي بيتها في شمال غزة، فوجدت أن المشي بات الخيار الوحيد: “المواصلات شبه مستحيلة. والأسعار ارتفعت والناس بالكاد يجدون ما يأكلونه، فكيف لهم أن يدفعوا ثمن التنقل؟ نُمضي ساعات ونحن نمشي في شوارع مدمرة”.
وتضيف: “قبل أسبوع، اضطررت إلى زيارة ابنتي إحسان (25 عاما) المتزوجة المريضة في مواصي القرارة. لم تكن هناك مواصلات، فمشيت لأكثر من ساعة ونصف ساعة بين الركام والمطر وأنا أحمل حقائب ثقيلة، وعندما وصلت كنت منهكة وبالكاد أستطيع الوقوف”.
أما أميرة صادق (35 عاما) معلمة وأم لثلاثة أطفال، فلم تجد بديلاً عن ركوب عربة يجرها حمار وتقول: “في ظل هذه الظروف يبدو كل شيء مقبولاً. كنت أشعر بالخجل في البداية، لكن الآن لا خيار آخر لدي فأريد أن أصل إلى النقطة التعليمية التي أعمل فيها في الموعد المحدد، ولكن غالبا ما أتأخر بسبب عدم توفر وسائل النقل”.
“وتضاف إلى ذلك أزمة سيولة نقدية خانقة، ونقص في الفكة، ما يعقد المعاناة اليومية للسكان الذين يجدون أنفسهم أمام تحدٍ مزدوج: تأمين وسيلة نقل وتوفير النقود المناسبة لثمنها”. تابعت صادق بقولها.
إحصائية تكشف أزمة المواصلات
وأفاد السائق رامي أبو سعادة بقوله: “نحن نعمل اليوم بخسارة حقيقية، فأسعار قطع الغيار جنونية، ولا قدرة لنا على الصيانة كما في السابق. أي عطل بسيط قد يوقف السيارة أيامًا أو أسابيع، إما لعدم توفر القطعة وإما لارتفاع سعرها بشكل يفوق الاحتمال. رفع الأجرة لم يكن خيارًا، بل اضطرارًا للبقاء في العمل. ومع ذلك، فإن دخلنا لا يكفي، والمواطن متضرر مثلنا تمامًا. أزمة المواصلات في غزة لم تعد أزمة وقود فقط، بل أزمة حصار وغياب قطع الغيار وانعدام أي حلول حقيقية”.
ووفقا لبيانات 2023 الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ووزارة النقل قبل الحرب، فقد كانت شوارع غزة تعج بنحو 80 ألف سيارة يومياً، حيث بلغ عدد المركبات المرخصة في القطاع آنذاك نحو 88 ألف مركبة، ما يمثل 19% من إجمالي المركبات في فلسطين. أما اليوم، فتشير تقديرات محلية إلى أن ما بين 25 إلى 32 ألف سيارة وشاحنة وسيارة أجرة قد دمرها القصف الإسرائيلي أو تضررت، في مقابل ندرة حادة في قطع الغيار. حسب وكالة وفا.
احتكار السوق
وعاهد عدوان (50 عاما)، فيذكر معاناة المواطنين الذين أُجبروا على المشي لمسافات طويلة لتوفير أجرة النقل، وأنهم يضطرون إلى الصعود على ظهور الشاحنات الفارغة في الطرقات، مجازفين بحياتهم هرباً من الأجور الباهظة وشح وسائل النقل، فضلا عن الآلام الشديدة التي تتسبب فيها هذه المركبات غير المريحة في الظهر والجسد، والمشكلات الصحية التي تتسبب فيها للجميع نساءً ورجالا.
وتشير مصادر اقتصادية وفقا لـ وفا، إلى أن الأزمة تستمر في ظل سماح الاحتلال بإدخال أقل من 5% من احتياجات السوق من قطع الغيار، معظمها غير أصلية، إضافة إلى ما يُعرف بـ “التنسيقات” التي قد تصل إلى 3 ملايين شيقل (954 ألف دولار) للشاحنة الواحدة، في ظل استغلال واضح من بعض التجار واحتكار السوق، ما رفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة.





