لليوم الرابع على التوالي، تستضيف القاهرة مباحثات فلسطينية وإقليمية ودولية تهدف إلى تجاوز العقبات التي تعرقل تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة. وتتمحور المناقشات حول ملف سلاح المقاومة، في ظل طرح مقاربات جديدة تسعى إلى إيجاد توازن بين مطالب الفصائل الفلسطينية والضغوط الإسرائيلية والدولية.
لا تقتصر معركة غزة اليوم على الميدان العسكري، بل تمتد إلى طاولة المفاوضات في القاهرة، حيث تدور مواجهة سياسية معقدة حول مستقبل الترتيبات الأمنية والسياسية في القطاع. وفيما تسعى الأطراف الوسيطة إلى إيجاد صيغة توافقية بشأن ملف السلاح، تتقاطع الحسابات الفلسطينية والإسرائيلية مع اعتبارات إقليمية ودولية تجعل من هذه الجولة محطة مفصلية في مسار الحرب والتهدئة.
حل سياسي شامل وليس ترتيبات أمنية مؤقتة
وتشير المعلومات المتداولة من أجواء مباحثات القاهرة التي تجري بين الفصائل الفلسطينية والوسطاء على أن ملف السلاح كان مطروحًا على الطاولة ضمن حزمة التوصل إلى تفاهم أوسع. وتكشف المعطيات أن جهود الوسطاء تتمحور حول إعادة صياغة البندين الثامن والتاسع من مسوّدة خطة ميلادنيوف، وهما البندان المرتبطان مباشرةً بهذه المسألة الحساسة.
وفي هذا السياق، يرصد المحلل الصحفي وسام عفيفة تحوّلًا لافتًا في طبيعة النقاش، إذ يؤكد أن النقاش لم يعد يدور حول مبدأ الرفض أو القبول، بل حول الكيفية والتوقيت والضمانات، حيث يشير في مقال له تابعه المركز الفلسطيني للإعلام إلى أن الفصائل الفلسطينية تمسّكت بجملة من المحددات الواضحة تشمل: عدم المساس بالسلاح الفردي، وربط أي ترتيبات بمسار الانسحاب الإسرائيلي ومراحله، ورفض الحديث عن أي تسليم للسلاح قبل القضاء على ظاهرة «العصابات العميلة»، فضلًا عن اشتراط أن يجري أي إجراء في هذا الملف ضمن إطار فلسطيني خالص، وصولًا إلى ربطه بحل سياسي شامل لا بترتيبات أمنية مؤقتة.
وتفتح هذه المقاربة، وفق عفيفة، مساحةً للحركة أمام الوسطاء، إذ تنقل النقاش من سؤال “هل يتم ذلك أم لا؟” إلى سؤال “كيف ومتى وتحت أي ظروف؟”.
معالجة القضية ضمن إطار وطني فلسطيني
وفي قراءته للمقاربات المطروحة يوضح الباحث والمحلل السياسي إياد القرا، أن جوهر النقاش الراهن يتمحور حول قضية أثارها المبعوث الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، وتتعلق بسلاح المقاومة بدعوى أنه العقدة الرئيسية التي تعيق الانتقال إلى مراحل جديدة من الاتفاق.
وأشار القرا في مقال له تابعه المركز الفلسطيني للإعلام إلى أن ما يطرح حاليًا يمثّل مقاربة مختلفة تقوم على الانتقال من مفهوم “نزع السلاح” إلى مفهوم “حصر السلاح”، بما يعني معالجة القضية ضمن إطار وطني فلسطيني توافقي، وليس كشرط إسرائيلي مسبق يفرض على الفلسطينيين.
وهذه المقاربة، وفق القرا، تمثّل محاولة للجمع بين موقف الاحتلال والولايات المتحدة من جهة، وبين موقف الفصائل الفلسطينية الرافض لنزع السلاح من جهة أخرى، وهو ما قد يتيح نافذةً للخروج من حالة الجمود الراهنة. ولا يمكن قراءة مفاوضات القاهرة بمعزل عن السياق الإقليمي المتوتر. بحسب القرا، “تتزامن لقاءات القاهرة مع حالة توتر إقليمي متصاعدة، في ظل المواجهة بين إيران وإسرائيل، وتعثر العديد من الملفات الإقليمية التي تشكّل مصدر قلق للإدارة الأمريكية”.
وفي هذا الإطار، يرى القرا أن واشنطن بحاجة إلى تحقيق اختراق سياسي في أحد الملفات الساخنة، ويبرز ملف غزة كأحد المسارات القابلة لإنتاج إنجاز دبلوماسي يمكن للرئيس الأمريكي تقديمه. كما تجد إسرائيل نفسها في موقف يستدعي مخرجًا: فنتنياهو يواجه أزمات متراكمة تبدأ من المواجهة مع إيران، مرورًا بالتحديات في لبنان، ولا تنتهي عند غياب أي إنجاز حقيقي يمكن الإعلان عنه في غزة.
تنفيذ بقية بنود الاتفاق المعطّلة
وتجدر الإشارة إلى أن الاتفاق الحالي الذي تخرقه إسرائيل يوميا تشكّل في إطار رعاية أمريكية-مصرية-قطرية مشتركة منذ أكتوبر الماضي؛ مما يجعل انهياره خسارةً استراتيجية لجميع الأطراف الراعية، لا مجرد فشل تفاوضي عابر. ويحدّد القرا الأثر المحتمل لقبول الفصائل مناقشة ملف “حصر السلاح” ضمن إطار وطني فلسطيني، قائلًا إن ذلك «يسقط الذريعة التي استخدمت خلال الأشهر الماضية لتبرير تعطيل تنفيذ الاتفاق»، وينقل عبء التحرك إلى الجانب الأمريكي-الإسرائيلي.
وإذا تحقق التوافق على هذه الصيغة، يرى القرا أن المطلوب عمليًا سيكون الانتقال إلى تنفيذ بقية بنود الاتفاق المعطّلة، وفي مقدمتها: الانسحاب الإسرائيلي الكامل من غزة، وتفعيل اللجنة الإدارية المنبثقة عن الاتفاق، وإطلاق مسار إعادة الإعمار، وفتح المعابر.
ولم يلتزم الاحتلال بتنفيذ الاستحقاقات المترتبة عليه بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، رغم التزام الفصائل الفلسطينية بكل ما عليها، وسط تقديرات بأن موضوع السلاح مجرد ذريعة لاستمرار العدوان.
3 سينايوهات محتملة
ووفقا للمعطيات المطروحة هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة، بناءً على تحليل المشهد الراهن وتداخل مصالح أطرافه للمرحلة المقبلة:
السيناريو الأول: اختراق محدود: التوصل إلى صياغة توافقية حول حصر السلاح ضمن إطار وطني، تفتح بموجبها ثغرة في جدار الجمود، ويشرع في تنفيذ البنود التشغيلية للمرحلة الثانية من الاتفاق. هذا السيناريو هو الأكثر ترقبًا في الأجواء الدبلوماسية المتداولة.
السيناريو الثاني: إطالة الأمد: تنجح جولة القاهرة في منع الانهيار الكامل لمسار التفاوض دون التوصل إلى اتفاق نهائي، فتبقى المفاوضات مستمرةً على وقع الضغوط المتصاعدة، بانتظار متغيرات جديدة تعجّل بالحسم.
السيناريو الثالث: انهيار المسار: تعجز المباحثات عن ردم الهوة بين الموقفين، فينهار الاتفاق كليًا أو يتعطل تعطلًا يرقّي إلى مستوى الانهيار الفعلي. غير أن هذا السيناريو يبدو الأقل احتمالًا في ضوء التكاليف الباهظة التي يتكبدها جميع الأطراف جراء استمرار الإبادة.




