في وقت تتصاعد فيه الأزمات الإنسانية التي يواجهها اللاجئون الفلسطينيون، تجد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا نفسها أمام تحديات غير مسبوقة تهدد قدرتها على الاستمرار. فبين الضغوط المالية المتزايدة، وإجراءات التقشف الداخلية، والاستهداف السياسي المتواصل، تتعاظم المخاوف من أن تكون الوكالة أمام مرحلة جديدة تستهدف دورها التاريخي بوصفها الشاهد الدولي الأبرز على قضية اللاجئين الفلسطينيين.
لم تعد أزمة الأونروا تُختزل في عجز مالي أو نقص في التمويل، بل باتت تُقرأ في سياق أوسع يرتبط بمستقبل قضية اللاجئين الفلسطينيين نفسها. فالتقليصات التي طالت خدمات الوكالة وموظفيها تتزامن مع ضغوط سياسية واستهداف ميداني لمخيمات اللاجئين، ما يثير تساؤلات حول محاولات إعادة تعريف دور الوكالة وتقليص حضورها القانوني والسياسي.
حزمة إجراءات تقشفية قاسية
إدارة الأونروا أقرت خلال الأشهر الأخيرة حزمة إجراءات تقشفية قاسية طالت جوهر عمل الوكالة، شملت خفضًا بنسبة عشرين بالمئة من رواتب الموظفين المحليين، وتجميد الترقيات المستحقة، وإلغاء بدل تسوية العملة، إلى جانب إنهاء عقود وفصل مئات الموظفين. كما طالت هذه الإجراءات موظفين نزحوا قسرًا خلال الحرب على قطاع غزة أو يواجهون ظروفًا صعبة في الضفة الغربية والقدس.
وفي المقابل، بقيت رواتب ومزايا كبار الموظفين الدوليين في الإدارة العليا دون أي مساس، ما أثار تساؤلات حول طبيعة إدارة الأزمة المالية داخل الوكالة. وتترافق هذه الإجراءات مع مسار أوسع يتمثل في محاولة إعادة صياغة دور الأونروا، بحيث تنتقل تدريجيًا من كونها مؤسسة إغاثية ذات بعد سياسي وقانوني مرتبط بقضية اللاجئين، إلى مؤسسة خدماتية محدودة تخضع لشروط المانحين، مع توظيف مفهوم الحياد الإداري بما ينعكس على العاملين داخلها، ويقيد قدرتهم على الاعتراض أو الاحتجاج على سياسات التقشف.
وبالتوازي مع ذلك، يتعرض مخيم اللاجئين لاستهداف متصاعد باعتباره الخزان الرمزي والسياسي لقضية اللجوء، حيث شهدت الفترة الأخيرة تصعيدًا غير مسبوق تمثل في تدمير واسع للبنية التحتية في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس وبلاطة، إضافة إلى استهداف منشآت الأونروا في قطاع غزة، بما يشمل المراكز الصحية والتعليمية ومراكز الإيواء، في محاولة لتحويل المخيمات إلى مناطق غير قابلة للحياة ودفع السكان نحو تهجير جديد.
تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين
كما تترافق هذه التطورات مع مساعٍ سياسية أوسع تستهدف الأونروا، وصلت في مراحل سابقة إلى طرح خيارات تتعلق بتقييد عملها أو التأثير على وضعها القانوني وتمويلها، بما يهدد قدرتها على الاستمرار في تقديم خدماتها لنحو ستة ملايين لاجئ في مناطق عملها الخمس.
ما يجري ليس مجرد أزمات مالية أو تقليصات إدارية، بل هو مسار إستراتيجي منهجي تقوده إسرائيل والولايات المتحدة يهدف إلى تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين، عبر استهداف وكالة الأونروا باعتبارها الشاهد الدولي الأخير على هذه القضية، هذا المسار يعتمد على خنق الوكالة ماليًا وتشويه دورها أمام المجتمع الدولي، تحت ذريعة نقص التمويل، رغم أن الأموال موجودة لدى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، لكن قرار توظيفها أو حجبها يخضع لاعتبارات سياسية، حسب تصريحات علي هويدي، مدير الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين، لمراسل المركز الفلسطيني للإعلام.
الهدف الأبعد – وفقا لهويدي – يتمثل في فصل قضية اللاجئين عن الإطار القانوني الدولي الذي يحكمها، خصوصًا القرار الأممي المتعلق بحق العودة والتعويض، والذي يؤكد أن هذا الحق ثابت لا يسقط بالتقادم، سواء وُجدت الأونروا أم لم توجد، موضحًا أن القرار الذي أنشئت بموجبه الأونروا أكد عدم المساس بحقوق اللاجئين، إلا أن هذا الإطار يتعرض لمحاولات إضعاف تدريجية عبر تقليص دور الوكالة وتفريغها من وظيفتها السياسية والرمزية.
الدعم العربي والإسلامي للأونروا بقي دون المستوى
وفي ما يتعلق بالتمويل، يلفت هويدي إلى أن الدعم العربي والإسلامي للأونروا بقي دون المستوى المطلوب، وكان من المفترض أن يشكل نسبة مستقرة من ميزانيتها، إلا أن استمرار التمويل الطوعي جعل الوكالة عرضة للأزمات المتكررة. ويخلص إلى أن استمرار هذا المسار دون التزام مالي وسياسي واضح ينذر بمزيد من التراجع في قدرة الأونروا على أداء دورها، في وقت تتزايد فيه محاولات إعادة تشكيل ملف اللاجئين الفلسطينيين سياسيًا وقانونيًا.
وفي قطاع غزة، تعرضت منشآت الأورنوا للقصف والتدمير الإسرائيلي، ما أسفر عن استشهاد عشرات وإصابة مئات من موظفيها، في مشهد غير مسبوق في تاريخ الأمم المتحدة، ضمن هدف واضح: ليس المطلوب تدمير المباني فقط، بل إضعاف المؤسسة التي ما زالت تذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يعد إلى وطنه، وأن قضية اللاجئين لم تُغلق بعد، وفق الكاتب محمد المدهون.
حملات تحريض متواصلة واتهامات ممنهجة
ويرى المدهون أن استهداف الأونروا في جوهره ليس استهدافًا لمؤسسة إغاثية، بل استهداف لفكرة أن هناك لاجئين لهم حق، وأن هناك قرارًا أمميًا ما زال قائمًا، وأن الذاكرة الفلسطينية ما تزال حية. ولهذا تتكرر المحاولات لإحلال مؤسسات بديلة، أو نقل خدماتها إلى جهات أخرى، أو اختزال القضية كلها في ملف إنساني منفصل عن جذوره الوطنية والتاريخية.
وفي موازاة القصف بالنار، جاء القصف بالسياسة. حملات تحريض متواصلة، واتهامات ممنهجة، وضغوط مالية متصاعدة، ومحاولات لتجفيف منابع التمويل، حتى أصبحت الوكالة تخوض معركة بقاء يومية. ولم تعد الأزمة مجرد عجز مالي، بل تحولت إلى مشروع متكامل لتقويض التفويض الأممي الذي قامت عليه الوكالة، وإعادة تعريف دورها بما يفرغها من مضمونها السياسي والحقوقي.




