يمثل مشروع المنطقة الصناعية الاستعمارية المزمع إقامتها على أراضي قرى جبارة والراس وشوفة، جنوب مدينة طولكرم، أحد أبرز المشاريع الاستيطانية التي تسعى سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى فرضها في المنطقة، ليس فقط لما يتضمنه من استيلاء واسع على الأراضي الزراعية الفلسطينية، وإنما لما يحمله من أبعاد سياسية واقتصادية وديموغرافية وجغرافية بعيدة المدى.
المشروع، الذي يمتد على مئات الدونمات من الأراضي الخصبة التي شكلت لعقود مصدر رزق رئيسياً لعشرات العائلات الفلسطينية، يأتي ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع المكاني في جنوب طولكرم بما يخدم التوسع الاستيطاني ويعزز الترابط بين المستعمرات الإسرائيلية المنتشرة في المنطقة.
تقويض النشاط الزراعي
وتكشف وتيرة الأعمال الميدانية المتسارعة من تجريف للأراضي وشق للطرق وإقامة البنية التحتية والأسوار عن انتقال المشروع من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ العملي، الأمر الذي يهدد بإحداث تغييرات جذرية في المشهد الجغرافي والاقتصادي للمنطقة. كما أن المشروع لا يقتصر تأثيره على مصادرة الأراضي فحسب، بل يمتد ليشمل تقويض النشاط الزراعي، وتضييق فرص التوسع العمراني للقرى الفلسطينية المجاورة، وتعزيز مظاهر العزل والحصار المفروضة على تجمعات الكفريات جنوب طولكرم.
خطورة المشروع تكمن في ارتباطه بشبكة المستعمرات الإسرائيلية المحيطة، حيث يُنظر إليه كحلقة ضمن مخطط أوسع يهدف إلى تعزيز التكامل الاقتصادي والبنيوي بين المستعمرات المقامة على أراضي المحافظة، وربطها بمناطق الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948. وفي المقابل، يواجه السكان الفلسطينيون تداعيات مباشرة تتمثل في فقدان مصادر رزقهم، وتعرض ممتلكاتهم الزراعية للتجريف والمصادرة، وتزايد المخاوف من تهديد منازلهم ومنشآتهم، فضلاً عن الآثار البيئية المحتملة المرتبطة بإقامة منشآت صناعية فوق مناطق غنية بالمياه الجوفية.
وفي ظل هذه المعطيات، تتجاوز قضية المنطقة الصناعية الاستعمارية كونها مشروعاً تنموياً أو اقتصادياً كما تروج له سلطات الاحتلال، لتصبح جزءاً من صراع أوسع على الأرض والموارد والوجود الفلسطيني في المنطقة، ما يجعلها محوراً مهماً للنقاش القانوني والحقوقي والسياسي بشأن مستقبل الأراضي الفلسطينية في محافظة طولكرم والتحديات التي تواجه سكانها في ظل استمرار التوسع الاستيطاني.
مواطنون: الاحتلال والمستعمرين دمروا مصارد رزقنا
ويعود أصل هذا المشروع إلى عام 2019، حين أعلنت سلطات الاحتلال عن المخطط التفصيلي رقم (ت/158)، الذي يقضي بإقامة منطقة صناعية استيطانية على مساحة تقدر بنحو 788 دونماً من أراضي قريتي شوفة وجبارة جنوب طولكرم في منطقة تسمى ” الجبل الوسطاني”.
وحسب روايات بعض السكان، يواجه المواطن صابر عبد القادر محمود حمد وعائلته من قرية شوفة، تداعيات مباشرة لمشروع المنطقة الصناعية الاستعمارية، بعد استيلاء الاحتلال على نحو 50 دونماً من أراضي العائلة الواقعة في الجهة الجنوبية الشرقية للقرية بمحاذاة الشارع الالتفافي.
حمد أكد أن هذه الأراضي تشكل مصدر الرزق الأساسي للعائلة، حيث كانت تزرع سنوياً بالقمح والشعير والفول والبازيلاء، قبل أن يستولي عليها الاحتلال بحجة أنها أملاك دولة، ويبدأ العمل فيها ضمن مخططات المنطقة الصناعية. وأضاف أن منازل العائلة تقع داخل الأراضي المستهدفة، ما جعل أفرادها يعيشون حالة من القلق المستمر على مستقبل مساكنهم وممتلكاتهم. حسب وكالة وفا.
وأضاف أن العائلة تملك الوثائق والأوراق الثبوتية التي تؤكد ملكيتها للأرض، مشيراً إلى أن قوات الاحتلال استولت مؤخراً أيضاً على مساحات إضافية من الأراضي المزروعة بالبيوت البلاستيكية، دون سابق إنذار أو منح أصحابها مهلة قبل بدء أعمال التجريف.
مزارعون: إطلاق نار وتجريف الأراضي
معاناة المزارعين في المنطقة – وفقا لحمد – لا تقتصر على الاستيلاء على الأراضي، بل تمتد إلى اعتداءات المستعمرين، موضحاً أنه يتعرض بين الفينة والأخرى لإطلاق نار من مستعمرين من مستعمرة “عناب خلال عمله في أرضه، كما أكد أن العائلة تملك نحو 200 دونم مزروعة بأشجار زيتون معمرة، إلا أنها تواجه صعوبات كبيرة في الوصول إليها بسبب ملاحقة المستوطنين واعتداءاتهم المتكررة.
أما المزارع أديب عوض من قرية جبارة، فقد تعرضت أرضه الواقعة على مدخل القرية قبل أيام للتجريف من قبل جرافات الاحتلال دون سابق إنذار، دمرت ما مساحته ثلاثة دونمات من شجر الافوكادوا المثمر وخلعت 130 شجرة، لصالح أعمال إقامة المنطقة الصناعية التي التهمت مئات الدونمات من أراضي القرية.
وأكد أنه يملك الأوراق الثبوتية لملكيتها حيث هي مصدر رزقه، تعب في زراعتها بالأفوكادو منذ 11 عاما هذه الشجرة التي تحتاج لسبع سنوات من التعب والجهد وتحتاج لتكاليف عالية ومتابعة دائمة حتى تثمر، ليأتي الاحتلال وينهي مسيرتها بغمضة عين. كما طال التجريف دونمات أخرى من الأراضي المزروعة بالبيوت البلاستيكية على مدخل القرية، عدا عن تهديدات بهدم منازل في المنطقة بعد إخطارها.
الاستيلاء على أراض أخرى بموجب أوامر عسكرية
مشروع المنطقة الصناعية الاستيطانية المزمع إقامته جنوب طولكرم يشكل تهديدا مباشرا لقرية جبارة والقرى المجاورة، فضلا عن أن المساحة المستهدفة للمشروع تقدر بنحو 800 دونم من أراضي جبارة والراس وشوفة، في وقت تتواصل فيه أعمال التجريف والاستيلاء على الأراضي، حسب تصريحات رئيس مجلس قروي جبارة محمد إحسان عوض لمراسلة “وفا”.
عوض أوضح أن قرية جبارة، وهي إحدى قرى الكفريات السبع جنوب طولكرم، عانت على مدار سنوات طويلة من إجراءات الاحتلال، إذ استولى على مساحات واسعة من أراضيها لإقامة جدار الضم والتوسع عام 2002، وحاصر القرية لمدة 12 عاماً قبل أن تتم إزالة الجدار عام 2014 بقرار من المحكمة العليا الإسرائيلية، ما أتاح للمزارعين العودة إلى أراضيهم وإعادة استصلاحها وزراعتها، وأضاف أن الاحتلال عاد اليوم للاستيلاء على أجزاء من المناطق ذاتها تحت ذريعة إقامة المنطقة الصناعية.
ترافق المشروع مع إصدار إخطارات جديدة تستهدف منازل ومنشآت زراعية وبيوتا بلاستيكية، إضافة إلى الاستيلاء على أراض أخرى بموجب أوامر عسكرية ، في حين ما تزال منازل عدة مهددة بالهدم، فضلا عن أن جبارة منطقة زراعية من الدرجة الأولى وتشكل الزراعة مصدر الدخل الأساسي لسكانها، معتبراً أن هذه الإجراءات تستهدف الأرض ومصادر رزق المواطنين.




