بين أصوات الرصاص والجرافات العسكرية، يعيش سكان مخيمات الضفة الغربية واقعًا يوميًا قاسيًا تتداخل فيه معاناة الحصار مع الخسائر البشرية والمادية. ومع اتساع رقعة الاقتحامات والتدمير، تتزايد المخاوف من تداعيات إنسانية واقتصادية عميقة تطال آلاف العائلات الفلسطينية التي تجد نفسها في مواجهة استنزاف متواصل لمقومات الحياة والصمود.
المخيمات في شمال ووسط الضفة، تشهد تصعيدًا إسرائيليًا متواصلًا منذ أشهر، في مشهد يتجاوز حدود العمليات الأمنية التقليدية إلى استهداف واسع للبنية التحتية والبيئة الاجتماعية للمخيمات. وبينما تبرر إسرائيل عملياتها باعتبارات أمنية، يرى فلسطينيون أن ما يجري يمثل محاولة لإعادة هندسة المخيمات وإضعاف دورها التاريخي كرمز للهوية الوطنية وقضية اللاجئين.
كيف يتعامل الاحتلال مع المخيمات؟
المشهد الميداني يتسم بتصعيد منظم لا يمكن فصله عن سياق الحرب الشاملة على الشعب الفلسطيني. قوات الاحتلال لم تعد تتعامل مع المخيمات باعتبارها نقاطًا أمنية ساخنة فقط، بل باعتبارها عقدًا يجب تفكيكها. لذلك نرى استخدامًا متزايدًا للجرافات العسكرية داخل الأزقة الضيقة، واستهدافًا متكررًا للطرق وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، إلى جانب سياسة الاغتيال بالطائرات المسيّرة أو بإطلاق النار المباشر خلال الاقتحامات.
في مخيم جنين، مثلًا، لم يعد الاقتحام حدثًا استثنائيًا. صار جزءًا من نمط ثابت يهدف إلى استنزاف السكان والمقاومين معًا. وفي مخيمي طولكرم ونور شمس، أخذت العمليات بعدًا أكثر عنفًا، مع تدمير واسع للشوارع والمنازل والمركبات، ومحاولات واضحة لفرض واقع يومي قاسٍ يجعل الحياة الطبيعية شبه مستحيلة. أما بلاطة، فهو بدوره يواجه عمليات ملاحقة واعتقال مستمرة، في إطار سعي الاحتلال إلى منع تشكل أي حالة مقاومة مستقرة أو ممتدة. حسب تقرير المركز الفلسطيني للإعلام.
هذا التصعيد لا ينفصل عن منطق العقاب الجماعي. فالاحتلال يعرف أن المخيمات مترابطة اجتماعيًا، وأن أي ضربة تطال بيتًا أو شارعًا أو عائلة تتردد أصداؤها في كامل النسيج المحلي. لذلك لا يقتصر الاستهداف على من يحمل السلاح، بل يطال البيئة المدنية كلها: المدارس، المرافق الصحية، المحال التجارية، ومصادر الرزق اليومية.
حملات مداهمة واعتقال واسعة
وتواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي حملات المداهمة والاعتقال الواسعة في بلدات وقرى محافظة جنين، بالتزامن مع دخول عدوانها المستمر على المدينة ومخيمها يومه 506 على التوالي، وسط عمليات تخريب ممنهجة للممتلكات وتجريف للبنية التحتية، ترافقت مع بدء إنشاء معسكر وموقع عسكري جديد شرقي المدينة.
واقتحمت آليات عسكرية كبيرة، منذ ساعات فجر اليوم الأولى، قرى وبلدات الخط الغربي والجنوبي للمدينة، حيث تركزت عمليات المداهمة في بلدات عرابة، وفحمة، ومركة، وبير الباشا، والزبابدة، وجبع، وعنزا.
في السنوات الأخيرة، برزت المخيمات مجددًا كمراكز اشتباك متقدمة مع الاحتلال في الضفة. مجموعات المقاومة المحلية تشكلت في بيئات تعرف أزقتها وتستند إلى حاضنة اجتماعية واسعة، حتى لو تفاوتت مستويات التأييد العلني بسبب الضغوط الأمنية والمعيشية. الاحتلال يرى في هذا التكوين خطرًا مضاعفًا: لأنه مرن، ومحلي، وغير خاضع بالكامل للبنى التقليدية التي اعتاد مراقبتها أو اختراقها.
فتح مسارات عسكرية داخل الأحياء
لهذا يمكن القول إن استهداف المخيمات يجمع بين هدفين متلازمين: ضرب البعد الرمزي المرتبط باللجوء والعودة، وضرب البعد العملي المرتبط بالمقاومة الميدانية. وعندما تُهدم الطرق وتُجرف المداخل وتُفجر المنازل، فالمقصود ليس العقاب فقط، بل إعادة صياغة المكان بما يسهل اقتحامه وإضعافه لاحقًا.
اللافت في العمليات الأخيرة أن الاحتلال لا يكتفي بالدخول والانسحاب بعد اعتقال مطلوبين أو تنفيذ اغتيال. هناك مسار يتجه إلى ما يمكن وصفه بإعادة هندسة قسرية للمخيم. توسيع بعض الأزقة، فتح مسارات عسكرية داخل الأحياء، تدمير متكرر للبنية التحتية، وتخريب يجعل إعادة التأهيل مكلفة وبطيئة. هذه ليست تفاصيل ميدانية عابرة، بل جزء من تصور أمني يريد تحويل المخيم من فضاء معقد يصعب السيطرة عليه إلى منطقة أقل قدرة على الاحتماء والمناورة.
هذا النمط ظهر بوضوح في مخيمات شمال الضفة، حيث استخدمت الجرافات بكثافة، ليس فقط لإزالة عوائق أو عبوات كما يدعي الاحتلال، بل لفرض تغيير مادي دائم في شكل المكان. حين تُقتلع الشوارع ويُهدم ما حولها، تتغير الحياة اليومية للناس، وتزداد معاناتهم، ويُراد لهم أن يعيشوا في حالة إنهاك مستمر. إنها سياسة ضغط تراكمية، لا تعتمد على الضربة الواحدة، بل على التآكل اليومي.
تدمير كلي لمقومات الاقتصاد
وراء كل خبر عاجل عن شهيد أو معتقل، هناك حياة كاملة تتعرض للتفكيك. العائلات في المخيمات تعيش تحت ضغط نفسي دائم. الأطفال يكبرون على صوت الرصاص والطائرات المسيّرة، والنساء يتحملن أعباء النزوح المؤقت أو فقدان المعيل أو انتظار المعتقلين، والمرضى يواجهون صعوبات مضاعفة في الوصول إلى العلاج أثناء الاقتحامات والحصار.
كذلك، فإن الاقتصاد المحلي الهش أصلًا يتلقى ضربات متلاحقة. إغلاق المداخل، تدمير المركبات، تعطيل الأسواق، وانقطاع الخدمات الأساسية يجعل الاستمرار في الحد الأدنى من الحياة اليومية معركة بحد ذاتها. الاحتلال يعوّل على هذه الضغوط لتوليد شعور بالاختناق يدفع المجتمع إلى الانكفاء. لكن التجربة الفلسطينية تقول إن المعاناة، رغم قسوتها، لم تُنتج بالضرورة الاستسلام.
هنا تظهر واحدة من أهم حقائق المخيمات: قدرتها على ترميم نفسها اجتماعيًا رغم شدة الاستهداف. شبكات التضامن العائلي والمجتمعي، المبادرات الشعبية، والإسناد المحلي للمتضررين، كلها عناصر تمنع الانهيار الكامل. صحيح أن الخسائر كبيرة، وأن القدرة على الصمود ليست مفتوحة بلا حدود، لكن المخيم ما زال يحتفظ بقدرته على إنتاج تماسكه الذاتي.
كسر البنية القتالية للمقاومة
الهدف المباشر هو كسر البنية القتالية للمقاومة في المخيمات. هذا واضح. لكن الهدف الأعمق هو فرض معادلة تقول إن أي بيئة تحتضن الاشتباك ستدفع ثمنًا جماعيًا باهظًا. بمعنى آخر، يحاول الاحتلال تحويل المخيم إلى مثال ردع للضفة كلها. غير أن هذه السياسة تحمل تناقضًا معروفًا. فكلما بالغ الاحتلال في استخدام القوة، ازداد وعي قطاعات أوسع من الفلسطينيين بأن المواجهة ليست مرتبطة بمجموعة محددة أو سلاح محدد، بل بسياسة استئصال تستهدف المجتمع كله. من هنا، فإن الرهان الإسرائيلي على فصل المخيمات عن محيطها ليس مضمون النتائج. أحيانًا ينجح في الإرباك المؤقت، لكنه يفشل في إنهاء الدافع السياسي والأخلاقي للمقاومة.
هناك أيضًا بعد مرتبط بالمشهد الإقليمي والدولي. الاحتلال يستفيد من انشغال العالم بحرب الإبادة في غزة كي يوسع عملياته في الضفة بعيدًا عن ضغط فعلي. لكنه في الوقت نفسه يدرك أن المخيمات قد تتحول إلى عنوان مكثف يفضح طبيعة ما يجري: ليس ملاحقة أمنية محدودة، بل حرب استنزاف ضد تجمعات لاجئين ما زالت تحمل مفاتيح العودة في الوعي والوجدان.
سياسيًا، المخيمات تُختبر اليوم على أكثر من مستوى. هناك اختبار لقدرة المجتمع على الصمود في غياب حماية فعلية، واختبار للفصائل في كيفية إدارة الاشتباك الطويل، واختبار للسلطة الفلسطينية التي تجد نفسها أمام واقع يتآكل فيه حضورها الشعبي كلما اتسعت الفجوة بين احتياجات الناس وأدائها الميداني والسياسي.




