يدخل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بكين وهو يدرك أن زيارته لا تُقاس فقط بما قد تُنتجه من اتفاقيات تجارية، بل بما تعكسه من تحوّل محسوب في تموضع لندن داخل نظام دولي يتغير بسرعة. الاقتصاد البريطاني، الذي يعاني من تباطؤ مزمن وضغوط ما بعد «بريكست»، يدفع الحكومة الجديدة إلى البحث عن مصادر إنعاش خارج الدائرة التقليدية للحلفاء الغربيين، والصين تبدو خيارًا لا يمكن تجاهله، مهما كانت كلفته السياسية.
غير أن هذه الزيارة لا تتم في فراغ. فالتوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين تفرض على أي حليف لواشنطن هامش حركة ضيقًا. عودة دونالد ترامب إلى الواجهة السياسية، بنهجه الصدامي في الملفات التجارية، أعادت مناخ الحرب الاقتصادية إلى الواجهة، ليس فقط مع بكين، بل مع أقرب الحلفاء، كما ظهر في تهديداته الأخيرة لكندا. في هذا السياق، تبدو زيارة ستارمر اختبارًا دقيقًا لقدرة لندن على المناورة بين قوتين عظميين دون دفع ثمن استراتيجي فادح.
من منظور بريطاني، لا تحمل الزيارة طابع القطيعة مع واشنطن بقدر ما تعكس سعيًا إلى قدر أكبر من الاستقلالية الاقتصادية. فستارمر، الذي ورث اقتصادًا مثقلاً بالتحديات، يسعى إلى إعادة تقديم بريطانيا بوصفها لاعبًا براغماتيًا، قادرًا على التعامل مع الصين اقتصاديًا دون الانخراط في محاور سياسية مغلقة. غير أن هذا الخط الفاصل بين البراغماتية والانحياز يبقى هشًا، خصوصًا في ظل إدارة أمريكية ترى في أي انفتاح غربي على بكين تهديدًا مباشرًا لمشروع احتواء الصين.
أما من زاوية بكين، فالزيارة تمثل فرصة ذهبية. الصين، التي تواجه ضغوطًا متزايدة من الولايات المتحدة، تبحث عن اختراقات داخل المعسكر الغربي، ليس بالضرورة عبر تحالفات صريحة، بل من خلال تعميق الاعتماد الاقتصادي المتبادل. لندن، بما تمثله من مركز مالي عالمي، تشكل بوابة مثالية لتخفيف العزلة النسبية التي تحاول واشنطن فرضها على الصين. توسيع وصول الشركات الصينية إلى الأسواق البريطانية، وتخفيف القيود التنظيمية، يمثلان مكسبًا استراتيجيًا يتجاوز الأرقام التجارية المباشرة.
لكن هذا الانفتاح لا يخلو من أثمان داخلية. في بريطانيا، تتصاعد المخاوف بشأن الأمن القومي وحقوق الإنسان، خصوصًا في ملفات حساسة مثل هونغ كونغ، حيث لا يزال مصير جيمي لاي يثير توترًا سياسيًا وأخلاقيًا. قرارات الحكومة البريطانية الأخيرة، التي فسّرها منتقدوها على أنها تنازلات غير مبررة لبكين، غذّت الشكوك حول ما إذا كانت المكاسب الاقتصادية الآنية تُقدَّم على حساب مبادئ طالما تبنّتها لندن في سياستها الخارجية.
اللافت أن ستارمر لا يتحرك منفردًا. فالاتجاه الأوروبي العام يشير إلى إعادة فتح قنوات الحوار مع الصين، رغم الضغوط الأمريكية. لقاءات قادة أوروبيين بارزين مع شي جين بينغ تعكس إدراكًا متزايدًا بأن القطيعة الكاملة مع بكين لم تعد خيارًا واقعيًا، لا اقتصاديًا ولا استراتيجيًا. هذا التباين بين الرؤية الأوروبية الأكثر براغماتية والموقف الأمريكي الأكثر حدّة يضع بريطانيا في موقع بالغ الحساسية، خاصة في ظل علاقتها الخاصة مع واشنطن.
في المحصلة، لا تختصر زيارة ستارمر إلى بكين في كونها رحلة بحث عن استثمارات، بل هي جزء من إعادة تموضع بريطانية أوسع في عالم يتجه نحو تعددية قطبية غير مستقرة. النجاح في هذا المسار يتطلب توازنًا دقيقًا: الاستفادة من الصين دون الارتهان لها، والحفاظ على التحالف مع الولايات المتحدة دون الانجرار خلف سياساتها التصادمية بالكامل. وبين هذين الحدّين، تبدو لندن أمام اختبار صعب، ستحدد نتائجه موقعها في النظام الدولي خلال السنوات المقبلة.






