توضح الأحداث الأخيرة أن قرار شن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران لم يكن وليد صدفة أو تصعيد عشوائي، بل جاء نتيجة تضافر عوامل استخباراتية ودبلوماسية نادرة، شكلت نافذة استثنائية للزعيمين الأمريكي والإسرائيلي. فقد أثبتت الأيام أن الاستفادة من هدف استخباراتي محدد – اجتماع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وكبار مستشاريه في موقع واحد – كان العامل الحاسم الذي حسم توقيت العملية، بعد أن أظهرت المفاوضات الدبلوماسية مع طهران عدم جدواها.
هذا المشهد يبرز ديناميكية فريدة في اتخاذ القرار العسكري، حيث تتقاطع المعلومات الاستخباراتية الدقيقة مع الحسابات السياسية والفرص اللحظية، ما يحول خيارات الدولة من خطة مستقبلية محتملة إلى قرار سريع ينفذ خلال أيام، ويعيد رسم موازين القوى الإقليمية بشكل فوري.
مكالمة هاتفية حاسمة
في هذا السياق، يتضح أن الحرب لم تكن مجرد تصعيد عسكري، بل كانت نتاج تكامل دقيق بين الفرصة الاستخباراتية، الإعداد العسكري، وفشل القنوات الدبلوماسية، ما يجعلها دراسة نموذجية لكيفية تحويل المعلومات الاستثنائية إلى قرار استراتيجي حاسم.
كانت مكالمة هاتفية حاسمة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب هي اللحظة التي أشعلت فتيل الخطوة التي أدت إلى اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ، واندلاع الحرب. يوم الاثنين الموافق 23 فبراير، اتصل نتنياهو بترامب وأطلعه على معلومات استخباراتية حساسة: كان من المتوقع أن يجتمع المرشد الأعلى خامنئي وكبار مستشاريه في نفس المكان في طهران صباح يوم السبت. حسب تقرير باراك رافيد على موقع أكسيوس.
أوضح نتنياهو للرئيس الأمريكي أن هذا هدف نادر، يمكن القضاء عليه بضربة واحدة عبر غارة جوية. كانت المكالمة جزءًا من فترة تنسيق مكثف بين واشنطن وتل أبيب. ووفقًا لمسؤولين، التقى ترامب ونتنياهو مرتين وتحدثا عبر الهاتف نحو 15 مرة خلال الشهرين السابقين للحرب. حسب ثلاثة مصادر مطلعة على التفاصيل لوكالة معا.
معلومة استخباراتية عن خامنئي
وأشار مسؤولون أمريكيون إلى أن ترامب كان يميل بالفعل إلى شن هجوم على إيران حتى قبل تلقيه المعلومات المتعلقة بخامنئي، لكنه لم يكن قد حسم أمره بشأن التوقيت. وكانت المعلومات الاستخباراتية التي قدمها نتنياهو هي التي عجلت بالقرار.
في المرحلة الأولى، أمر ترامب وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) بمراجعة المعلومات. وأكدت مراجعة أولية صحة المعلومات الواردة من الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وفي وقت لاحق أكد مسؤولون في الاستخبارات الأمريكية أنه كان من المتوقع بالفعل عقد اجتماع لكبار مسؤولي النظام في ذلك الموقع.
بالتوازي مع الاستعدادات العسكرية، واصل الأمريكيون مساعيهم لفتح قناة دبلوماسية مع طهران. وأجرى مبعوثا ترامب، جاريد كوشنر وستيف ويتكوف ، محادثات مع ممثلين إيرانيين في جنيف. إلا أنه بعد ساعات من النقاش، توصل المبعوثان إلى استنتاج واضح: المحادثات لم تحرز أي تقدم . وأبلغوا ترامب أن الإيرانيين غير مستعدين لاتفاق يرضي الولايات المتحدة.
بعد هذا التقرير، اقتنع ترامب بأمرين أساسيين: موثوقية المعلومات الاستخباراتية حول خامنئي، وإغلاق نافذة الفرص الدبلوماسية. وفي تمام الساعة 3:38 مساءً بتوقيت واشنطن يوم الجمعة، أعطى ترامب الموافقة النهائية على العملية. وبعد نحو 11 ساعة، سقطت أولى القنابل على طهران. أسفر الهجوم عن مقتل خامنئي وعدد من كبار القادة الإيرانيين، وبدأت بذلك الحملة.
خطوة غير مدروسة
بعد الهجوم، ظهرت معلومات في الولايات المتحدة بأن إسرائيل جرّت واشنطن إلى الحرب. بينما رفض وزير الخارجية ماركو روبيو هذه المزاعم، قائلاً إن هذه الخطوة كانت حتمية، وأن المسألة الوحيدة كانت التوقيت.
كما رفض ترامب نفسه مزاعم أن نتنياهو دفعه إلى التحرك، قائلاً إنه كان مقتنعاً بأن إيران قد تشن هجوماً، ولذلك قرر التحرك. أُبقي الهجوم نفسه سراً تاماً. ونتيجةً لذلك، فوجئ العديد من المواطنين الأمريكيين في المنطقة بالتصعيد، ووجدوا أنفسهم عالقين في الهجمات الإيرانية المضادة في الخليج .
واضطرت وزارة الخارجية الأمريكية إلى إطلاق عملية إجلاء طارئة لأكثر من 1500 مواطن رغبوا في مغادرة المنطقة. وعندما سُئل ترامب عن سبب عدم التحضير لعملية الإجلاء مسبقاً، أجاب بأن الأحداث تطورت بسرعة كبيرة. ووفقًا لتقرير أكسيوس، تم اتخاذ القرار الذي أدى إلى الحرب في غضون أيام قليلة – بعد ظهور هدف استخباراتي نادر فجأة، وقرر كلا الزعيمين الاستفادة من ذلك.




