لم يعد الخلاف بين مصر وإثيوبيا مقتصرا على مياه النيل وسد النهضة، بل اتسعت ساحته لتشمل البحر الأحمر والقرن الأفريقي، حيث تتداخل الحسابات العسكرية والجيوسياسية مع المصالح الاقتصادية وأمن الملاحة الدولية. وفي هذا السياق، برزت تساؤلات خلال الأسابيع الأخيرة حول تقارير تحدثت عن مقترحات إثيوبية تربط بين حل أزمة السد وحصول أديس أبابا على منفذ بحري أو قاعدة عسكرية على البحر الأحمر.
لكن القاهرة، وفق تصريحات رسمية، أغلقت الباب أمام أي مساومة من هذا النوع، مؤكدة أن سيادة الدول ووحدة أراضيها ليست محل تفاوض، وأن أمن البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المطلة عليه.
رفض مصري قاطع لأي مقايضة
خلال لقاء مع وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين في الخارج، الدكتور بدر عبد العاطي، طُرح سؤال مباشر حول ما إذا كانت مصر قد تقبل بحصول إثيوبيا على ميناء في الصومال أو إريتريا مقابل توقيع اتفاق قانوني وملزم بشأن سد النهضة.
وجاء الرد مختصرا وحاسما: “لا.”
هذا الموقف لم يأتِ بمعزل عن تحركات دبلوماسية مصرية متسارعة، شملت زيارة الوزير إلى أسمرة، ثم استضافة اجتماع ثلاثي في القاهرة ضم وزيري خارجية الصومال وإريتريا، بحضور كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس.
وأعقب تلك اللقاءات تجديد القاهرة دعمها الكامل لوحدة الأراضي الصومالية، ورفضها لأي خطوات أحادية تمس سيادة الدولة، بما في ذلك إدانة افتتاح ما يسمى بـ”سفارة أرض الصومال” في القدس.
البحر الأحمر… خط أحمر في العقيدة المصرية
لا تنظر القاهرة إلى قضية الموانئ باعتبارها مسألة اقتصادية فحسب، بل باعتبارها جزءا من منظومة الأمن القومي.
فأي وجود عسكري لدولة غير مطلة على البحر الأحمر، خصوصا إذا كان في الصومال أو إريتريا، يعني تغيرا في موازين القوى داخل أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة الدولية وترتبط به مباشرة حركة الملاحة في قناة السويس.
ولهذا السبب تؤكد مصر باستمرار أن إدارة أمن البحر الأحمر يجب أن تبقى مسؤولية الدول المشاطئة وحدها، وهو موقف تتقاسمه أيضا غالبية دول المجلس المشترك للدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن.
لماذا تصر إثيوبيا على منفذ بحري؟
منذ انفصال إريتريا عام 1993، أصبحت إثيوبيا أكبر دولة حبيسة في أفريقيا، تعتمد بصورة شبه كاملة على ميناء جيبوتي الذي يمر عبره نحو 95% من تجارتها الخارجية، مقابل تكلفة سنوية تقدر بنحو 1.5 مليار دولار.
ويرى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أن هذا الوضع يفرض قيودا استراتيجية على بلاده التي يتجاوز عدد سكانها 130 مليون نسمة، ويكرر في خطاباته أن الوصول إلى البحر الأحمر يمثل “حقا طبيعيا” وشرطا لتحقيق الاستقرار في القرن الأفريقي.
لكن هذا الطموح لا يقتصر على إنشاء ميناء تجاري، إذ تشير تقديرات سياسية ودبلوماسية إلى أن إثيوبيا تسعى أيضا للحصول على موطئ قدم عسكري دائم على البحر الأحمر، وهو ما يثير مخاوف إقليمية واسعة.
الصفقة التي تنفيها القاهرة
رغم النفي الرسمي المصري، تحدث دبلوماسيون وسياسيون أفارقة مطلعون على الملف عن طرح غير معلن نُقل عبر وسطاء إقليميين ودوليين، يتضمن موافقة مصر على حصول إثيوبيا على منفذ بحري وقاعدة عسكرية، مقابل إبرام اتفاق ملزم بشأن سد النهضة.
ولا توجد حتى الآن وثائق أو تصريحات رسمية تؤكد وجود هذا المقترح، إلا أن القاهرة تؤكد أن موقفها ثابت، ويتمثل في رفض أي ترتيبات تمس سيادة الصومال أو إريتريا أو تغير معادلات الأمن في البحر الأحمر.
الصومال… ساحة التنافس الجديدة
بات الصومال اليوم أحد أكثر الملفات حساسية في معادلة القرن الأفريقي.
فإلى جانب التحديات الأمنية الداخلية، أصبح البلد مسرحا لتنافس إقليمي ودولي متزايد، مع سعي قوى مختلفة إلى تعزيز نفوذها عبر اتفاقيات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية.
ومن هذا المنطلق، تنظر مصر إلى استقرار الصومال ووحدة أراضيه باعتبارهما جزءا من أمنها القومي، وليس مجرد قضية تضامن عربي أو أفريقي.
“أرض الصومال”.. العقدة الأكثر حساسية
تزايدت المخاوف المصرية بعد توقيع مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وإقليم “أرض الصومال” في يناير/كانون الثاني 2024، والتي تضمنت منح إثيوبيا منفذا بحريا بطول 20 كيلومترا لمدة خمسين عاما، مع إمكانية إنشاء قاعدة بحرية.
ورفضت الحكومة الفيدرالية الصومالية الاتفاق، واعتبرته انتهاكا مباشرا لسيادتها، فيما حظي الموقف الصومالي بدعم عربي وأفريقي واسع.
ويثير هذا الملف قلق القاهرة، لأنه يفتح الباب أمام إعادة رسم خرائط النفوذ في القرن الأفريقي، ويمنح إثيوبيا منفذا بحريا خارج الأطر القانونية المعترف بها دوليا.
البعد الإسرائيلي… قراءة تتجاوز الدبلوماسية
ازدادت حساسية المشهد بعد الخطوات الإسرائيلية الأخيرة تجاه “أرض الصومال”، والتي شملت اعترافا بالإقليم، وزيارات متبادلة بين مسؤولين من الجانبين، وإعلان نية افتتاح تمثيل دبلوماسي.
وتقرأ دوائر سياسية في المنطقة هذه التحركات باعتبارها جزءا من إعادة تشكيل موازين القوى في القرن الأفريقي، خاصة مع الحديث عن تعاون أمني واستخباري متزايد، إضافة إلى اهتمام أمريكي متنامٍ بالإقليم في إطار منافسة النفوذ مع الصين.
إلا أن هذه التطورات تبقى محل تباين في التقييم، إذ تختلف الروايات بشأن طبيعة الاعترافات الرسمية ومستوى التعاون الفعلي، وهو ما يجعل الكثير من تفاصيلها بحاجة إلى متابعة مستمرة.
إعادة تموضع مصر في القرن الأفريقي
خلال العامين الماضيين، كثفت القاهرة حضورها السياسي والعسكري والاقتصادي في منطقة القرن الأفريقي.
وشمل ذلك توقيع اتفاقيات تعاون مع الصومال، وتبادل زيارات رفيعة المستوى مع إريتريا، وعقد قمم ثلاثية بين قادة الدول الثلاث، إلى جانب تعزيز برامج التدريب والتنسيق الأمني.
ويعكس هذا التحرك استراتيجية مصرية تقوم على بناء شراكات إقليمية، بدلا من الاكتفاء بإدارة أزمة سد النهضة باعتبارها ملفا منفصلا عن بقية التحديات.
ما الذي تخشاه القاهرة؟
تقدّر مصر أن حصول إثيوبيا على قاعدة عسكرية أو منفذ سيادي على البحر الأحمر قد يؤدي إلى:
- تغيير موازين القوى العسكرية في البحر الأحمر.
- زيادة النفوذ الإثيوبي في محيط قناة السويس.
- تكريس واقع جديد في الصومال على حساب الحكومة الفيدرالية.
- فتح المجال أمام تدخلات إقليمية ودولية أوسع في أمن البحر الأحمر.
- تعقيد مسار التفاوض حول سد النهضة عبر ربطه بملفات جيوسياسية أخرى.
مستقبل الأزمة… صراع يتجاوز سد النهضة
تكشف التحركات الأخيرة أن التنافس بين القاهرة وأديس أبابا دخل مرحلة أكثر تعقيدا، فلم يعد يدور فقط حول تقاسم مياه النيل، بل امتد إلى خرائط النفوذ في القرن الأفريقي وأمن البحر الأحمر ومستقبل الدولة الصومالية.
وبينما تؤكد مصر تمسكها بوحدة الصومال ورفض أي وجود عسكري لدول غير مشاطئة على البحر الأحمر، تواصل إثيوبيا البحث عن منفذ بحري تعتبره ضرورة استراتيجية.
وفي ظل هذا التشابك، يبدو أن الصومال لم يعد مجرد دولة تواجه تحديات داخلية، بل أصبح إحدى أهم ساحات التنافس الجيوسياسي في أفريقيا، حيث تتقاطع مصالح القوى الإقليمية والدولية، ويتحول كل تحرك دبلوماسي إلى جزء من معركة أوسع على النفوذ والحدود وأمن الممرات البحرية.






