تشهد مدينة القدس المحتلة تصعيدًا خطيرًا في السياسات الاستعمارية الإسرائيلية، مع إعادة فتح ملفات أوامر نزع الملكية في شارع السلسلة بالبلدة القديمة لأول مرة منذ عام 1967، في خطوة تُنذر بموجة جديدة من التهجير القسري والاستيلاء على العقارات الفلسطينية التاريخية المحيطة بالمسجد الأقصى المبارك.
هذا التحرك يأتي ضمن مساعي الاحتلال لفرض وقائع تهويدية جديدة داخل البلدة القديمة، عبر استهداف أحد أهم الممرات التاريخية والدينية المؤدية إلى الأقصى، بما يحمله ذلك من أبعاد سياسية وديمغرافية ودينية تهدد الهوية العربية والإسلامية للقدس المحتلة، وسط تحذيرات فلسطينية ودولية من تداعيات هذه الخطوة على سكان المدينة ومستقبلها التاريخي.
تعزيز السيطرة الاستعمارية
مصادقة سلطات الاحتلال على مخطط الاستيلاء على عقارات فلسطينية في حي باب السلسلة الملاصق للمسجد الأقصى، يشكل “تصعيدا استعماریا خطيرا يهدف إلى تهجير السكان المقدسيين وتعزيز السيطرة الاستعمارية على محيط المسجد الأقصى، حسب تصريحات مدير دائرة الإعلام في محافظة القدس عمر الرجوب، لوكالة وفا.
القرار يأتي تنفيذا لتوصية سابقة صادر عن ما يسمى وزير القدس والتراث السابق في حكومة الاحتلال، لتفعيل قرار استيلاء يعود إلى عام 1968، تحت ذرائع تتعلق بما يسمى “تعزيز السيطرة اليهودية والأمن” في المنطقة – حسب الرجوب – مشيرًا إلى أن المخطط يستهدف ما بين 15 إلى 20 عقارا فلسطينيا تاريخيا وبعض وسائل الاعلام الإسرائيلية قدرت عددها ب 50 عقارا، وهي تقع على امتداد طريق باب السلسلة، تعود ملكيتها لعائلات مقدسية، وتضم مباني وأوقافا إسلامية تعود للعهود الأيوبية والمملوكية والعثمانية.
وأكد الرجوب أن حي باب السلسلة يعد من أهم الممرات التاريخية المؤدية إلى المسجد الأقصى المبارك، وأن استهدافه يندرج ضمن سياسة احتلالية ممنهجة تهدف إلى تفريغ محيط الأقصى من سكانه الفلسطينيين، وفرض وقائع تهويدية جديدة داخل البلدة القديمة.
زيادة أعداد اقتحام المستعمرين للمسجد الأقصى
وبين أن المنطقة المستهدفة تضم معالم تاريخية وإسلامية بارزة، من بينها المدرسة الطشتمرية، مشيرا إلى أن سلطات الاحتلال كانت قد استولت عام 1968 على نحو 116 دونما من أراضي البلدة القديمة بذريعة “المنفعة العامة”، ما شكل الأساس لتوسعة الحي اليهودي من خمسة دونمات قبل عام 1948 إلى نحو 133 دونما لاحقا، معظمها عبر الاستيلاء على أملاك فلسطينية خاصة.
وقال الرجوب إن قرارات الاستيلاء الأصلية تعود إلى عام 1968، أي بعد عام واحد فقط من احتلال القدس الشرقية وضمها، وقد صدرت بناءً على توصيات قانونية من المستشار القضائي لحكومة الاحتلال آنذاك مائير شيمغار، وبموجب هذا القرار، تم الاستيلاء على مساحات واسعة من أراضي البلدة القديمة لصالح “شركة إعادة تأهيل وتطوير الحي اليهودي”، التي تتولى إدارة الأصول في ما يسمى “الحي اليهودي” حتى اليوم.
وأوضح الرجوب أن الإسرائيليين يحاولون استخدام باب السلسلة وهو أحد أبواب المسجد الأقصى المبارك في زيادة أعداد اقتحام المستعمرين للمسجد الأقصى يوميا، واستخدموه عدة مرات خلال الفترة الأخيرة في الاقتحامات إضافة لاستخدام طريق باب السلسلة للوصول للحي اليهودي.
إعادة هندسة التركيبة السكانية
ويعد حي باب السلسلة في البلدة القديمة بالقدس المحتلة أحد أكثر المواقع حساسية واستراتيجية، لعدة اعتبارات مترابطة، أولها الموقع الجغرافي، إذ يقع الحي مباشرة بمحاذاة الجدار الغربي للمسجد الأقصى المبارك، حيث يشكل ممرا تاريخيا رئيسيا يربط بين الأقصى والأسواق الحيوية في البلدة القديمة، مما يجعله نقطة تماس مباشرة مع الأقصى وحائط البراق.
ولا تقتصر أهمية الحي على موقعه الجغرافي فحسب، بل تمتد إلى بُعده التاريخي والديني، حيث يضم عقارات وأوقافا إسلامية تعود إلى العهود الأيوبية والمملوكية والعثمانية، من أبرزها المدرسة الطشتمرية ومكتبة الخالدية، الأمر الذي يجعل استهدافه جزءا من محاولات طمس الطابع العربي والإسلامي للبلدة القديمة.
إلى جانب ذلك، تكتسب المنطقة أهمية أمنية بالنسبة للاحتلال، إذ تُعد عقدة تنطلق منها قوات الاحتلال خلال اقتحامات المسجد الأقصى، وإحكام السيطرة عليها يوفر “عمقا أمنيا” إضافيا حول المسجد، كما يسعى الاحتلال من خلال استهداف الحي، إلى إعادة هندسة التركيبة السكانية في البلدة القديمة، عبر تفكيك الحزام البشري الفلسطيني الذي يحمي المسجد الأقصى ويحافظ على هويته العربية والإسلامية.
الاستيلاء على عقارات في حي باب السلسلة
وأقرت حكومة الاحتلال تشكيل لجنة مشتركة برئاسة المدير العام لما تسمى “وزارة القدس والتقاليد اليهودية”، تضم ممثلين عن وزارات القضاء والمالية والخارجية والإسكان، بالإضافة إلى “سلطة أراضي إسرائيل”، وبلدية القدس، و”شركة إعادة تأهيل وتطوير الحي اليهودي”، لدراسة طرق تنفيذ القرار، وفق ما نقلته مصادر إعلامية فلسطينية عن وسائل إعلام عبرية.
وتتركز مهام اللجنة التي شكلها الاحتلال على دراسة الوضع القانوني والميداني للعقارات التي لم تكتمل إجراءات نزع ملكيتها الصادرة بموجب قانون الأراضي الانتدابي لعام 1943، وتقديم خطة عمل وحلول لتجاوز العقبات التخطيطية والقانونية والهندسية خلال 12 شهرا، بناء على مقترح قدمه وزير القضاء في حكومة الاحتلال “ياريف ليفين”، فيما حذرت المستشارة القانونية لوزارة المالية في حكومة الاحتلال من أن تسريع القرار دون تشاور معمق قد يخلق صعوبات قانونية بالغة أثناء التنفيذ.
وفي تموز 2025، وقع ما يسمى وزير القدس والتراث السابق في حكومة الاحتلال مئير بروش، قرارا يقضي بالاستيلاء على عقارات في حي باب السلسلة، قبل يوم واحد فقط من استقالته من منصبه.
“حكومات الاحتلال المتعاقبة امتنعت طوال العقود الماضية عن تنفيذ قرار الاستيلاء، خشية تداعياته عربيا ودوليا وشعبيا، لا سيما أنّ جميع القاطنين في هذه العقارات من الفلسطينيين، وهو ما كان سيضع إسرائيل أمام انتقادات دولية واسعة. فضلا عن أن استمرار وجود الأهالي في العقارات طوال هذه الفترة يعني أن امتناع الاحتلال عن تنفيذ القرار لأكثر من خمسة عقود يُسقط الهدف الأساسي من الاستيلاء عليها، والمتمثل في توسيع “حارة اليهود”. حسب تصريحات المتخصص في شؤون القدس، المستشار مدحت ديبة، لـ”وفا”.
تصاعد نفوذ القوى الداعمة للاستعمار وتهجير الفلسطينيين
وأوضح ديبة أن تأخر تنفيذ القرار طوال 58 عاما يطرح تساؤلات حول مبررات تنفيذه اليوم، رغم صدوره قبل أكثر من نصف قرن، مشيرا إلى أن فرص نجاحه قانونيا تبدو ضعيفة للغاية، إذ إن التأخير لأكثر من 15 عاما كفيل بإسقاط القرار. كما اعتبر أن عدم تنفيذ قرار الاستيلاء منذ عام 1968 حتى اليوم يعد بمثابة تنازل عن هدفه، خاصة أن التجار الفلسطينيين ظلوا حائزين على العقارات ويستخدمونها بشكل مستمر طوال تلك الفترة.
حكومة الاحتلال الحالية – حسب ديبة – تختلف عن الحكومات السابقة، في ظل تصاعد نفوذ القوى الداعمة للاستعمار وتهجير الفلسطينيين داخل الائتلاف الحاكم، وسعيها لإحياء قرارات استعمارية جُمّدت لعقود طويلة. ويستند الاحتلال في محاولته تنفيذ الاستيلاء إلى جملة اعتبارات، أبرزها وقوع العقارات داخل ما يعرف بـ”الحي اليهودي”، إلى جانب الأهمية الاستراتيجية لموقعها المحاذي للمسجد الأقصى.
وأشار ديبة إلى أن “شركة تطوير الحي اليهودي” توجهت رسميا إلى حكومة الإسرائيلية، بصفتها الجهة المشرفة على العقارات اليهودية في البلدة القديمة من مدينة القدس، للمطالبة بمنحها الضوء الأخضر لتنفيذ قرار الاستيلاء، عبر عقد جلسة خاصة للنظر في الطلب، مشيرا إلى أن الموافقة النهائية لم تمنح بعد.




