تأثير كارثي طال قطاعات واسعة في إسرائيل، جراء الحرب المدمرة على قطاع غزة، حيث لم تقتصر أجواء التوتر والاستقطاب على ساحات القتال فقط، بل امتدت إلى داخل المؤسسات الإسرائيلية نفسها، بما فيها المستشفيات والمراكز الطبية، التي يُفترض أن تقوم على مبادئ الحياد الإنساني والرعاية الصحية بعيدًا عن الانقسامات السياسية والقومية، حيث وثقت شهادات متزايدة لعاملين عرب في الجهاز الصحي الإسرائيلي تكشف عن تصاعد غير مسبوق في سياسات التضييق والملاحقة وتكميم الأفواه، بسبب مواقفهم من الحرب أو حتى بسبب استخدامهم اللغة العربية داخل أماكن العمل.
وتسلط هذه الشهادات الضوء على تحوّل بيئة العمل الطبية إلى مساحة مشحونة بالخوف والرقابة، حيث بات التعبير عن التضامن الإنساني مع ضحايا غزة، أو انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية، سببًا للاستدعاء والتحقيق والتهديد بالفصل، في مشهد يعكس اتساع دائرة القمع لتشمل الفضاء المهني والإنساني معًا.
استهداف ممنهج لناطقي اللغة العربية
تجلس الدكتورة عفاف، وهو اسم مستعار، وهي مثقلةً بتجربة تقول إنها غيّرت حياتها المهنية والشخصية بالكامل. فبعد سنوات من العمل في أحد المستشفيات الإسرائيلية ومواصلة دراستها التخصصية في الطب، وجدت نفسها مضطرة إلى ترك العمل وتعليق تخصصها، تحت وطأة ما تصفه بسياسات الملاحقة والقمع وتكميم الأفواه التي استهدفتها كطبيبة عربية فلسطينية منذ اندلاع الحرب على غزة.
تقول الطبيبة عفاف إن ما تعرضت له لم يبدأ بخلاف مهني أو تقصير طبي، بل بسبب حديثها باللغة العربية داخل القسم، سواء مع المرضى العرب أو مع الطاقم الطبي خلال العمل. موضحة أن اللغة العربية كانت جزءًا أساسيًا من مهامها اليومية، خصوصًا في التعامل مع مراجعين ومرضى من المجتمع العربي في شمالي البلاد، كثير منهم لا يجيدون العبرية، الأمر الذي كان يفرض عليها التواصل معهم بلغتهم وترجمة ما يقولونه للطواقم الطبية.
تحوّل استخدام العربية تدريجيًا – حسب الطبيبة عفاف – إلى سبب للملاحقة والاستهداف داخل القسم. فمنذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ومع اندلاع الحرب على غزة، تقول إن أجواء العمل تغيّرت بالكامل، وبدأت الشكاوى تُرفع ضد العاملين العرب، وخصوصًا ضدها، من قبل أفراد في الطاقم اليهودي، لمجرد تحدثها بالعربية خلال ساعات العمل، رغم أن ذلك كان مرتبطًا بشكل مباشر بعلاج المرضى والتواصل معهم.
أجواء عدائية وعنصرية داخل بيئة العمل
وتروي أن النقاشات مع بعض أفراد الطاقم كانت تتكرر خلال الورديات، إذ كان بعضهم يعترض على حديثها بالعربية، بينما كانت هي تصر على حقها في استخدامها، ليس فقط بوصفها لغة وهوية، بل أيضًا كجزء من العمل الطبي المهني. وتضيف أن دورها لم يقتصر على الحديث مع المرضى العرب، بل كانت تترجم للطواقم الطبية ما يقوله المرضى خلال جلسات العلاج والمعاينة، غير أن ذلك لم يمنع بعض العاملين من محاولة إسكاتها أو مطالبتها بالتوقف عن الحديث بالعربية.
وتقول إن تصاعد الشكاوى دفع إدارة القسم إلى استدعائها لجلسة استماع، أُبلغت خلالها، وفق روايتها، بوجود تعليمات تمنع الحديث بالعربية أثناء العمل. وتؤكد أنها رفضت الامتثال لهذه التعليمات، معتبرةً أن العربية لغة رسمية، وأن منع استخدامها داخل المستشفى يمس بهويتها وحقوق المرضى العرب الذين يحتاجون إلى التواصل بلغتهم لتشخيص حالاتهم وتلقي العلاج المناسب.
وبحسب شهادتها لم تتوقف الضغوط عند حدود اللغة، بل رافقتها أجواء وصفتها بالعدائية والعنصرية داخل بيئة العمل. وتشير إلى أن بعض أفراد الطاقم اليهودي، وبينهم أطباء من أصول روسية، كانوا يتعاملون معها باستخفاف وعدم احترام، بينما تكررت الشكاوى ضدها واستدعاؤها المتواصل لجلسات استماع إدارية، ما جعلها تشعر بأنها مستهدفة ومراقبة باستمرار.
العاملون العرب يواجهون القمع والمساءلة
وتقول إن هذا المشهد كان مرعبًا بالنسبة لها كفلسطينية، خصوصًا في ظل أجواء التحريض والتوتر التي كانت تحيط بالعاملين العرب داخل المستشفى. وتضيف أن الملاحقة لم تقتصر على مواقف أو تصريحات، بل وصلت، بحسب وصفها، إلى حد اعتبار “الصمت” مشكلة بحد ذاته. ففي أوقات النقاشات داخل القسم حول الحرب أو الأسرى الإسرائيليين في غزة، كانت تشعر أن صمتها يثير الريبة، وأن أي كلمة أو موقف قد يُستخدم ضدها لاحقًا.
وتكشف عن أن حالة الخوف دفعتها إلى مراقبة كل تصرف وكل كلمة، خشية التعرض لتحقيقات أو اتهامات قد تتجاوز الإطار المهني. وتكشف أيضًا عن حادثة اتُّهمت خلالها من قبل طبيبة يهودية بإيقاف علاج أحد المرضى ومنع الفحوصات عنه، وهي ادعاءات تقول إنها نجحت في دحضها وإثبات بطلانها بشكل كامل، من دون أن تتلقى أي اعتذار، فيما أُغلق الملف إداريًا وكأن شيئًا لم يكن.
وبمرور الوقت، تقول الطبيبة عفاف إنها لم تعد قادرة على تحمل بيئة العمل المشحونة، خصوصًا مع شعورها بأن العاملين اليهود كانوا يتمتعون بحرية كاملة في التعبير عن مواقفهم السياسية ودعم الحرب أو المشاركة في فعاليات للمطالبة بإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين، بينما كان العاملون العرب يواجهون القمع والمساءلة حتى بسبب اللغة أو الصمت أو أي تعبير إنساني تجاه ما يحدث في غزة.
تصاعد وتيرة الملاحقة والتضييق داخل مستشفيات الاحتلال
وتصف التجربة بأنها تركت آثارًا نفسية عميقة عليها، إذ تؤكد أنها اضطرت خلال فترة عملها إلى تناول أدوية مهدئة كي تتمكن من الاستمرار في المناوبات، فيما تخضع اليوم لجلسات علاج نفسي بسبب ما تعرضت له من ضغوط وملاحقات على مدار أكثر من عامين. وتختم شهادتها بالقول إن ما صدمها أكثر من أي شيء آخر هو ما تعتبره “انهيارًا أخلاقيًا” داخل بيئة يُفترض أنها قائمة على القيم الإنسانية والطبية.
ووثّق تقرير صادر عن جمعية “أطباء لحقوق الإنسان” عشرات جلسات الاستماع والتحقيق الداخلي في ما لا يقل عن 15 مستشفى وجميع صناديق المرضى الأربعة في البلاد، على خلفية التعبير عن الرأي بشأن الحرب على غزة، حتى في حالات وُصفت بالبسيطة، مثل مشاركة منشور على شبكات التواصل الاجتماعي، أو وضع إشارة “إعجاب”، أو تغيير صورة الملف الشخصي.
وبرزت بشكل خاص وتيرة متصاعدة من الملاحقة والتضييق داخل المستشفيات والمراكز الطبية في الجليل وحيفا وأنحاء الشمال، سواء من قبل إدارات الأقسام والمستشفيات أو من بعض أفراد الطواقم الطبية اليهودية، ضد الأطباء والعاملين العرب في الجهاز الصحي الإسرائيلي.
وطالت هذه الممارسات كوادر طبية وصحية من تخصصات مختلفة، من أطباء وممرضين إلى عاملين في مجالات الطب النفسي، والتغذية العلاجية، والعلاج الوظيفي والطبيعي، والصيدلة، بل وحتى بعض المحاضرين في كليات التمريض. وتضاف هذه السياسات إلى سلسلة من الملفات التي تناولها “عرب 48” في تقارير وتحقيقات خاصة، وثّقت شهادات وإفادات لمواطنين عرب تعرضوا للقمع الإسرائيلي الذي تصاعد بشكل ملحوظ منذ اندلاع الحرب على غزة.
ترهيب وتكميم أفواه
أيضا، لم تكن تجربة الدكتورة دينا، وهو اسم مستعار مختلفة كثيرًا عن شهادات أخرى لعاملين عرب في الجهاز الصحي الإسرائيلي منذ اندلاع الحرب على غزة. فدينا، التي تعمل طبيبة مختصة في أحد المستشفيات، تقول إن أجواء العمل داخل المستشفى تغيّرت بالكامل بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وبات العاملون العرب يعيشون تحت ضغط دائم من الملاحقة والترهيب وتكميم الأفواه.
تروي الطبيبة دينا أن الحرب على غزة لم تبقَ حدثًا سياسيًا أو عسكريًا خارج جدران المستشفى، بل تحولت إلى محور يومي للنقاشات والتوترات داخل الأقسام الطبية، حيث وجد العاملون العرب أنفسهم مطالبين بالصمت، أو على الأقل بعدم إظهار أي تعاطف أو موقف إنساني تجاه ما يحدث في غزة. حسب عرب 48.
وتقول إن مجرد التعبير عن الحزن أو نشر موقف على شبكات التواصل الاجتماعي، أو حتى انتقاد سياسات الحكومة والجيش، كان كافيًا لفتح باب الشكاوى والاستدعاءات الإدارية. وبحسب روايتها، فإن حالة التضييق لم تقتصر عليها وحدها، إذ عمل إلى جانبها خمس نساء عربيات متخصصات في الطب الغذائي، ثلاث منهن قررن ترك العمل خلال فترة الحرب بسبب الأجواء التي وصفتها بالتحريضية والعدائية داخل المستشفى.
عُزلة بسبب شبكات التواصل الاجتماعي
وتشير إلى أن النقاشات المتعلقة بالحرب كانت تتحول مرارًا إلى صدامات مع أفراد من الطواقم الطبية اليهودية، الذين لم يتقبلوا أي رأي مخالف أو أي تعبير عن التضامن مع المدنيين الفلسطينيين في غزة. مؤكدة أنها كانت معروفة داخل المستشفى بمواقفها وآرائها التي تعبّر عنها عبر كتابات ومنشورات على شبكات التواصل الاجتماعي، لكن هذه المواقف، بحسب قولها، جعلتها لاحقًا موضع عزلة ومقاطعة من قبل بعض أفراد الطاقم اليهود.
وتضيف أن بعض زملائها اليهود في العمل امتنعوا عن الحديث معها بشكل شبه كامل، فيما تقدم آخرون بشكاوى ضدها بسبب منشوراتها أو بسبب نقاشات دارت داخل العمل حول الحرب وانتقاداتها للحكومة والجيش الإسرائيلي. ومع تصاعد الضغوط، تقول إنها توصلت إلى قناعة بأن الخوض في أي نقاش داخل العمل لم يعد ممكنًا، ليس فقط بسبب الاختلاف السياسي، بل لأن الطرف الآخر، بحسب وصفها، فقد القدرة على التعامل مع الموضوع من زاوية إنسانية.
وتوضح أن بعض العاملين اليهود حاولوا أيضًا الضغط على الإدارة لمنع الطواقم العربية من التحدث بالعربية داخل المستشفى، بحجة أنهم لا يفهمون اللغة، لكنها ترى أن هذه المطالب لم تكن مرتبطة باعتبارات مهنية أو طبية، بل جاءت انعكاسًا مباشرًا لأجواء الحرب والتحريض.
وتضيف أن الشعور السائد لدى العاملين العرب كان أن المطلوب منهم ليس فقط الامتناع عن إبداء الرأي، بل أيضًا كبت مشاعرهم وهويتهم ولغتهم. بحسب وصفها، كان هناك رفض لأي خطاب ينتقد الحرب أو يعارض الرواية الرسمية الإسرائيلية، في مقابل تقبل كامل لمواقف العاملين اليهود الذين عبّروا علنًا عن دعمهم للجيش والسياسات الحكومية.
تصعيد غير مسبوق في سياسات القمع
تشير الطبيبة دينا إلى أن المسؤولة المباشرة عن القسم كانت تتلقى الشكاوى ضد العاملين العرب وتستمع إلى رواياتهم، قبل رفعها إلى الإدارة العليا، لكن من دون اتخاذ خطوات فعلية لوقف حملات التحريض أو التضييق داخل بيئة العمل، وهو ما اعتبرته نوعًا من القبول الضمني بما يتعرض له العاملون العرب.
يقول شادي، وهو اسم مستعار، إن الحرب على غزة لم تغيّر فقط طبيعة العمل داخل المستشفيات الإسرائيلية، بل غيّرت أيضًا نظرة كثيرين إلى العاملين العرب في الجهاز الصحي، الذين وجدوا أنفسهم فجأة في دائرة الشبهة والمراقبة، وكأنهم مشتبهون، بعدما كانوا يُنظر إليهم كزملاء في مهنة يُفترض أنها تقوم على الإنسانية والرعاية.
شادي، الذي يعمل في مجال التمريض ويتنقل بين عدة مستشفيات ومراكز طبية في البلاد، يروي شهادته بعد سنوات من الاحتكاك المباشر بالأجواء التي سادت داخل الجهاز الصحي منذ اندلاع الحرب. مضيفًا لـ”عرب 48″ إن العاملين العرب عاشوا تصاعدًا غير مسبوق في سياسات القمع وتكميم الأفواه، سواء من خلال الملاحقات الإدارية، أو جلسات الاستماع، أو الشكاوى المتكررة التي كانت تُقدَّم ضدهم لأسباب وصفها بالواهية.




