تدخل الساحة السياسية العراقية مرحلة غليان مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية، وسط احتدام المنافسة بين القوى الشيعية التي حولت الحملة الانتخابية إلى ما يشبه «معركة بقاء». وبينما تبدو الجبهتان السنية والكردية أكثر هدوءاً، تتصاعد وتيرة المواجهة داخل “الإطار التنسيقي” بين نوري المالكي وهادي العامري، في وقت تراقب فيه القوى الأخرى بحذر تحركات زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الذي ما زال غيابه المعلن يحكم إيقاع المشهد.
ورغم الدعوات إلى التهدئة وتكافؤ الفرص بين المرشحين، تعصف بالسباق الانتخابي ظواهر المال السياسي والخطاب الطائفي، ما يثير مخاوف واسعة من أن تتحول الانتخابات إلى أزمة جديدة بدل أن تكون خطوة نحو الاستقرار. وبين «معركة الوجود» التي أعلنها العامري، و«دولة القانون» التي يرفع رايتها المالكي، يبدو العراق مقبلاً على اختبار سياسي صعب، قد يرسم ملامح مرحلة جديدة من التوازنات المضطربة.
مشهد معقد تحت غطاء الحملات
انطلقت الحملات الانتخابية العراقية في مناخٍ محتقنٍ، سرعان ما تحوّل إلى ما وصفه المراقبون بـ«تكسير العظام»، بعد أن ترافقت الأيام الأولى مع حوادث تمزيق صور المرشحين وتبادل الاتهامات، ما دفع وزارة الداخلية إلى إصدار تعليمات تُبعد قوات الأمن عن المشهد الانتخابي، في محاولة لتحييد المؤسسة الأمنية عن التوظيف السياسي.
لكن هذا الحياد الظاهري لا يخفي هشاشة البيئة الانتخابية نفسها، فالحملات لم تخلُ من التنافس العنيف بين الكتل الشيعية الكبرى، التي تتزاحم على تمثيل المكوّن الأكبر في البرلمان والحكومة. أما في المقابل، فتبدو الجبهتان السنية والكردية أكثر هدوءاً، سواء على مستوى الخطاب السياسي أو وتيرة التحشيد، في ظل إدراكهما أن نتائج الاقتراع ستتوقف إلى حد كبير على شكل التوازنات داخل القوى الشيعية.
انقسام البيت الشيعي.. معركة بقاء لا انتخابات
منذ اللحظة الأولى لانطلاق الحملة، بدا واضحاً أن القوى الشيعية تخوض ما يشبه «معركة وجود»، بحسب تعبير هادي العامري زعيم منظمة بدر، الذي اعتبر أن الانتخابات القادمة ستكون محطة مفصلية لمستقبل العراق والمنطقة. هذا الخطاب التصعيدي لم يكن معزولاً عن السياق الأوسع لصراع النفوذ داخل “الإطار التنسيقي”، حيث يتنافس رموز الصف الأول مثل نوري المالكي وهادي العامري، على فرض ثقلهم السياسي في مواجهة طموح رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني في تجديد ولايته.
وفي الخلفية، يظل الغياب المعلن للتيار الصدري بقيادة مقتدى الصدر حاضراً بثقله الرمزي والسياسي، إذ أن قرار المقاطعة الذي اتخذه الصدر قبل انطلاق الحملة بيوم واحد، أربك حسابات “الإطار” وأعاد توزيع الأوزان. غير أن اللقاء المفاجئ الذي عقده الصدر مع قيادات تياره في النجف مؤخراً، وما تبعه من تسريبات حول «مفاجأة» قادمة، أثار تساؤلات عميقة حول ما إذا كانت المقاطعة نهائية، أم أنها ورقة ضغط لإعادة رسم قواعد اللعبة من خارج البرلمان.
ثالثاً: المال السياسي والطائفية.. عناوين أزمة مزمنة
في الوقت الذي تتصارع فيه الكتل الكبرى على النفوذ، تعاني العملية الانتخابية من أمراض بنيوية مزمنة. فقد أشار ائتلاف النصر بزعامة حيدر العبادي إلى «تفشي المال السياسي واستغلال موارد الدولة»، محذراً من أن هذه الممارسات تهدد نزاهة الانتخابات ووحدة المجتمع.
كما يتجلى الخطر في تصاعد الدعاية الطائفية، التي تُستحضر كلما ضاق أفق البرامج السياسية أو غابت المشاريع الوطنية الجامعة. وهذا الخطاب لا يقتصر على أطراف محددة، بل أصبح أداة تستخدمها القوى المتنافسة لاستقطاب قواعدها التقليدية، ما يعمق الانقسام المجتمعي ويضعف فرص الاستقرار بعد الاقتراع.
المالكي وإعادة إنتاج خطاب الدولة
في خضم هذا التوتر، يحاول نوري المالكي إعادة تقديم نفسه كمدافع عن «دولة القانون» ومؤسساتها، في مقابل حالة التفكك التي يعيشها المشهد السياسي. المالكي يرى أن مقاطعة الانتخابات هي «استجابة للشر»، ويطرح شعار «القانون فوق الجميع» كمحاولة لترميم الخطاب المؤسسي للدولة.
غير أن تجربته السابقة في الحكم، وما ارتبط بها من ملفات خلافية، تجعل من محاولته هذه أقرب إلى محاولة استعادة نفوذٍ سياسي مفقود أكثر منها طرحاً إصلاحياً جديداً. ومع ذلك، يعكس حضوره المتجدد أن التيارات الشيعية التقليدية لا تزال قادرة على الحشد، حتى وإن تآكلت ثقة الشارع بها.
هل تقود الانتخابات إلى استقرار سياسي؟
من الناحية النظرية، يُفترض أن تشكل الانتخابات خطوة نحو تعزيز الاستقرار وبناء المؤسسات، لكن الواقع العراقي يكشف عن مفارقة قاسية: فكل استحقاق انتخابي منذ 2005 كان يحمل في طياته بذور أزمة جديدة، لا حلولاً للأزمات القائمة.
غياب التوافق الحقيقي بين القوى الشيعية، واستمرار اعتماد المحاصصة الطائفية كآلية لتقاسم السلطة، يجعلان من أي نتائج محتملة بوابة لموجة جديدة من التوتر السياسي. كما أن القوى التي تخسر في صناديق الاقتراع غالباً ما تلوّح بالانسحاب أو التصعيد الميداني، ما يُبقي البلاد في دوامة من «اللااستقرار المستمر».
وحتى لو نجح “الإطار التنسيقي” في الحفاظ على أغلبيته وتشكيل حكومة موالية له، فإن ذلك لن ينهي الانقسام داخل المكوّن الشيعي نفسه، خاصة إذا ما قرر الصدر تحريك الشارع أو استثمار نفوذه الاجتماعي خارج المعادلة الرسمية.
السيناريو الأرجح
في ضوء هذا الواقع، يبدو أن الانتخابات المقبلة ستكون اختباراً لمدى قدرة النظام العراقي على إنتاج تسوية جديدة، أكثر مما هي مناسبة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. فنتائجها، أيّاً كانت، ستعيد إنتاج التوازنات ذاتها بين القوى التقليدية، مع احتمالات محدودة لظهور قوى إصلاحية أو عابرة للطوائف.
وبالتالي، فإن الاستقرار السياسي بعد الانتخابات سيظل مشروطاً بقدرة القوى الشيعية على إدارة خلافاتها الداخلية، وبمدى استعدادها للتخلي عن منطق «المعركة الوجودية» لصالح منطق الدولة الجامعة. أما إذا استمر الخطاب الانتخابي في تأجيج الانقسام، فإن البلاد مرشحة لدورة جديدة من التوتر، وربما انغلاقٍ سياسي يعيد العراق إلى مربع الأزمات المزمنة التي لم يبرحها منذ عقدين.






