كشف تقرير موسع عن تفاصيل عملية استخباراتية وأمنية إسرائيلية نفذها جهاز “الموساد” داخل إيران، مستهدفة البنية التحتية النووية للنظام الإيراني، في واحدة من أخطر وأجرأ العمليات التي نفذها الجهاز خلال السنوات الأخيرة. هذه العملية، التي حملت الاسم الرمزي “طلوع الأسود”، تم التخطيط لها على مدى سنوات وشملت استقطاب وتجهيز عملاء من داخل إيران وخارجها، مستخدمة تقنيات متطورة وشبكات إقليمية معقدة.
بدأ الهجوم في فجر الثالث عشر من يونيو الماضي، عندما شن فريق من نحو 70 عنصراً من الكوماندوس المدربين من قبل “الموساد” ضربات دقيقة داخل مناطق متفرقة من إيران، شملت محيط طهران وأصفهان وسمنان. استهدف الهجوم منظومات الدفاع الجوي الإيرانية ومنصات إطلاق الصواريخ الباليستية ومراكز القيادة العسكرية. تمت العملية باستخدام طائرات مسيرة وصواريخ دقيقة التوجيه، مع دعم إسناد جوي ميداني، ما مكن العملاء من تنفيذ ضربات مؤثرة ضد أهداف استراتيجية في عمق الأراضي الإيرانية.
في اليوم التالي، شنت موجة ثانية من الهجمات بمشاركة عملاء محليين وقوات جديدة من دول مجاورة، مما يعكس حجم وتعقيد العملية التي تُعد استثنائية في تاريخ العمليات الاستخباراتية الإسرائيلية، إذ تم تصميمها لتشبه هجمات “الموساد” السابقة على “حزب الله” في عام 2023، ولكن على نطاق أوسع وأعمق.
أوضح التقرير أن القوى الأساسية التي شاركت في هذه العمليات كانت مزيجاً من إيرانيين ينتمون لأقليات عرقية مختلفة مثل الأحوازيين، والأكراد، والبلوش، والآذريين، إضافة إلى مجموعات أخرى. ويأتي استقطاب هؤلاء في إطار استغلال الغضب المتزايد والقمع الذي تمارسه السلطات الإيرانية ضد هذه الأقليات، مما منح “الموساد” فرصة لبناء شبكة علاقات تمكنها من الدخول إلى عمق النظام الإيراني.
عملية الاستقطاب اتسمت بالحنكة والذكاء، إذ كانت تبدأ بطلب مهام بسيطة وغير خطرة، ومن ثم تصعيدها تدريجياً بناءً على نجاحات الأفراد. كما لجأت الأجهزة الإسرائيلية إلى استخدام أدوات ضغط مختلفة، منها التهديد والابتزاز، إضافة إلى وعود بعلاج أفراد العائلات المتضررة، ومنح فرص للدراسة في جامعات غربية، مما يعكس تنوع وأساليب العمل المعقدة التي اعتمدها “الموساد” لكسب ولاء هؤلاء العملاء.
العملية كانت تُدار من مركز قيادة محكم يقع في شمال تل أبيب، حيث جرى تنسيق الاتصال بشكل آمن مع فرق العمل المنتشرة داخل إيران. وتم إعطاء كل فريق أسماء رمزية مستوحاة من نغمات موسيقية لتمييز الفرق والمهام، مما يعكس دقة التنظيم والسرية المطلقة التي صاحبت تنفيذ العملية. بعض العملاء كانوا يعيشون داخل إيران لفترات طويلة، مما ساعد على تسهيل تنفيذ المهام، في حين تسلل آخرون إلى الأراضي الإيرانية عبر طرق متعددة تشمل تركيا وأذربيجان وأرمينيا.
هذا التحرك يعكس تصعيداً غير مسبوق في الصراع بين إسرائيل وإيران، حيث يتجاوز في أبعاده مجرد المواجهة التقليدية إلى عمليات استخباراتية متقدمة تستهدف إضعاف القدرات العسكرية والنووية للنظام الإيراني من الداخل. كما يسلط الضوء على تزايد أهمية دور الأقليات الإيرانية ومجموعات المعارضة الداخلية في الحرب الاستخباراتية التي تخوضها إسرائيل ضد طهران.
تأتي هذه العملية في سياق تصاعد التوترات الإقليمية بين إسرائيل وإيران، والتي تتداخل فيها عوامل سياسية وأمنية مع تطورات عسكرية وتقنية. ويعكس النجاح الظاهر لهذه الحملة الإسرائيلية قدرة “الموساد” على تنفيذ عمليات معقدة داخل بيئات عدائية محكمة السيطرة، ما يعزز مكانته كأحد أكثر الأجهزة الاستخباراتية فاعلية في العالم.
في المقابل، يُظهر هذا التقرير التحديات الكبيرة التي تواجه النظام الإيراني في حماية بنيته التحتية الحيوية، ويعكس هشاشة بعض الجوانب الأمنية بسبب استغلال إسرائيل للوضع الداخلي المتأزم داخل إيران. كما يثير تساؤلات حول قدرة النظام الإيراني على الصمود أمام مثل هذه الهجمات في المستقبل، ومدى تأثيرها على موازين القوى الإقليمية.
بشكل عام، تؤكد هذه العملية أن الحرب بين إسرائيل وإيران لم تعد تقتصر على المواجهات التقليدية أو الدبلوماسية، بل تحولت إلى صراع استخباراتي عميق يتطلب جهوداً مكثفة واستراتيجيات معقدة من كلا الطرفين، مع تداعيات قد تتجاوز الحدود الجغرافية وتؤثر على استقرار المنطقة بأسرها.






