تشهد مخيمات النزوح في قطاع غزة أوضاعًا إنسانية مأساوية مع الارتفاع المتزايد في درجات الحرارة، في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023، وما خلفته من دمار واسع للبنية التحتية والمنازل. ويعيش مئات آلاف النازحين داخل خيام متهالكة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، حيث تحولت حرارة الصيف الخانقة وانقطاع الكهرباء وشح المياه إلى تهديد يومي يفاقم معاناة السكان، خاصة الأطفال وكبار السن والمرضى.
ويحذر الراصد الجوي من ارتفاع ملموس وتدريجي في درجات الحرارة، حيث تُسجل في المناطق الساحلية لقطاع غزة “مثل خان يونس” معدلات تتجاوز 35 درجة مئوية، بينما تتضاعف الحرارة المحسوسة داخل خيام النازحين لتتجاوز 45 مع أجواء خانقة. كما سجلت درجات الحرارة أرقاماً ترتفع تدريجياً عن المعدل السنوي العام، يصاحبها ارتفاع في نسب الرطوبة على الشريط الساحلي، ما يزيد الشعور بالحرارة.
غزة مدينة بلا كهرباء
ومنذ أكتوبر 2023، يعاني قطاع غزة انقطاعا كاملا للتيار الكهربائي، حيث توقفت محطة توليد الكهرباء عن العمل كما تدمرت شبكة الكهرباء والبنية التحتية بفعل العدوان الإسرائيلي. وتسبب ذلك في شلل تام للحياة اليومية؛ إذ توقفت المضخات عن ضخ المياه النظيفة، وتضرر حفظ الأغذية والأدوية في الثلاجات، وأصبحت المستشفيات تعتمد على مولدات تعمل بالوقود النادر. وبلغت المعاناة الإنسانية ذروتها مع تحول غزة إلى مدينة بلا كهرباء، حيث فقد الأهل أبسط مقومات الحياة، ليزيد الحر والمرض مأساة السكان المحاصرين.
يجلس الحاج أبو رأفت جامع وزوجته المريضة بالربو تحت قطعة قماش صغيرة نصبها خارج خيمتهما لتوفير قدر محدود من الظل، في منطقة المواصي الساحلية غرب مدينة خان يونس جنوب القطاع، حيث تنتشر آلاف الخيام المتلاصقة على امتداد شريط ساحلي ضيق قائلا: “مع اقتراب الظهيرة تصبح الخيمة غير قابلة للبقاء، فالحرارة داخلها خانقة وكأنها نار مشتعلة”.
وتابع: “أن زوجته تعرضت عدة مرات لحالات إغماء بسبب الحر الشديد، ما اضطرهما إلى تمضية معظم ساعات النهار في الخارج رغم الظروف القاسية، وغياب الكهرباء والمراوح، ما يزيد معاناة النازحين، خاصة كبار السن والمرضى، في ظل عدم توفر وسائل تبريد، أو خدمات صحية كافية”. حسب وكالة وفا.
نازحة: الخيمة فرن نار لا يمكن احتماله
وفي خيمة أخرى، تحاول عبير دراز (30 عاما)، جاهدة تخفيف حرارة الجو عن طفلها الرضيع غيث، باستخدام قطعة من الكرتون، بينما يلفح الهواء الساخن المكان الضيق الذي تعيش فيه عائلتها منذ أكثر من عامين ونصف عام. وتقول النازحة من بلدة عبسان شرق مدينة خان يونس، وهي تحتضن طفلها البالغ من العمر 6 أشهر: “الخيمة لا تقي برد الشتاء ولا حر الصيف، وأصبحت مثل فرن نار لا يمكن احتماله”.
وتضيف: “منذ نزوحنا مع بداية الحرب في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 ونحن نعيش في هذه الخيمة التي نقلناها أكثر من مرة من مكان إلى آخر، ومع مرور الصيف والشتاء أصبحت ممزقة ومتهالكة، حتى لو حصلنا على خيمة جديدة، فهي لن تحمينا من الحر، فالوضع يزداد صعوبة يوما بعد يوم، بسبب ارتفاع درجات الحرارة هذه الأيام، رغم أن الصيف لم يبدأ بعد والحر الشديد في الخيمة يُعرّضهم لقرصات البعوض والحشرات وحتى الزواحف والقوارض”.
أما علا قديح 35 عاما، وهي أم لثلاثة أطفال تقول: “إن النساء داخل مخيمات النزوح يضطررن إلى تبريد أجساد أطفالهن بالمياه عدة مرات يوميا، خوفا من ضربات الشمس أو حالات الإعياء.. مع دخول الصيف أصبحنا نحتاج إلى كميات أكبر من المياه، للاستحمام وغسل الملابس وتبريد الأطفال، لكن المياه نفسها شحيحة”.
غياب أدنى وسائل الحماية والرعاية
وأشارت إلى أن الحرارة المرتفعة تدفعهم إلى مغادرة الخيام منذ ساعات الصباح الأولى، وعدم العودة إليها إلا بعد غروب الشمس، وفي الشتاء كادوا يغرقون بمياه الأمطار داخل الخيام، واليوم يحترقون من شدة الحر، فحياتهم تحولت إلى معاناة مستمرة طوال العام.
وتمتد المأساة إلى أبو إياد المدني 45 عاما، أب لخمسة أطفال، فيجلس أمام خيمته البالية، تحت أشعة الشمس القاسية ويقول: “نعيش داخل خيام تحولت إلى أفران حقيقية، تلفحنا فيها حرارة لا تُطاق، وكأننا نقيم فوق مواقد من نار، وفي بيئة تتكاثر فيها الحشرات والذباب بصورة مخيفة، ناشرة الأمراض الجلدية والأوبئة بين الأطفال والكبار، وسط عجز عن الاحتمال، وغياب لأدنى وسائل الحماية والرعاية”.
ويحذر أطباء وعاملون في المجال الصحي من تزايد المخاطر الصحية المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة داخل مخيمات النزوح، خاصة بين الأطفال وكبار السن والمرضى المزمنين. فالظروف المعيشية داخل المخيمات تزداد صعوبة مع تزايد أعداد النازحين، واستمرار نقص الخدمات الأساسية، بما في ذلك المياه النظيفة، وشبكات الصرف الصحي، والرعاية الصحية.
آلاف النازحين يتعرضون لظروف مناخية صعبة
ارتفاع درجات الحرارة يزيد حدة الأزمة الإنسانية التي يعيشها النازحون في القطاع، فمعظم الخيام غير مؤهلة للسكن الآدمي، ولا توفر الحد الأدنى من الحماية الصحية أو البيئية، ما يجعل السكان عرضة لمخاطر كبيرة مع ارتفاع درجات الحرارة، كما أن الحرارة الشديدة تسهم في انتشار الأمراض الجلدية، وحالات الجفاف والإجهاد الحراري، خاصة في ظل نقص المياه، وتدهور النظام الصحي، ونقص الأدوية التي يمنع الاحتلال الإسرائيلي إدخالها إلى القطاع. حسب مصادر صحية لوكاة وفا.
وتشير التقديرات الميدانية إلى أن مئات آلاف النازحين يتعرضون لظروف مناخية صعبة لا يمكن لأي مجتمع أن يتحملها، وأكثر من 288 ألف أسرة تعيش في خيام مهترئة منتشرة في مختلف مناطق قطاع غزة، تؤوي أكثر من مليون نازح، فقدوا منازلهم التي دمرها الاحتلال الإسرائيلي خلال حربه منذ عامين ونصف عام.




