تطورات النقاش داخل لجنة الأمن القومي في الكنيست الإسرائيلي حول مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين تكشف بوضوح عن طبيعة التوازنات السياسية والأمنية داخل إسرائيل، وكذلك عن الأبعاد الدعائية التي ترافق مثل هذه الخطوات. فالمصادقة على المشروع في قراءة أولى، رغم معارضة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وتحذيرات المستشارين القانونيين، تعكس إصرار التيار اليميني المتطرف داخل الحكومة، وعلى رأسه وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ورئيس اللجنة تسفيكا فوغل، على دفع الخطاب العقابي إلى أقصى درجاته. هؤلاء يحاولون تصوير القانون باعتباره “أمر الساعة” ووسيلة للردع، لا سيما في ظل استمرار الحرب على غزة وملف الأسرى والرهائن الذي يشكل ورقة ضغط متبادلة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية.
انتقادات حقوقية واسعة
اللافت في المشهد أن التصويت جرى وسط جدل قانوني واضح، إذ شددت المستشارة القانونية للكنيست على أن عقد جلسة كهذه خلال العطلة البرلمانية غير قانوني، فضلاً عن أن النقاش لم يستند إلى تقارير مهنية أو تقديرات أمنية كما تقتضي الأعراف. ومع ذلك، جرى تمرير المشروع بأغلبية ضئيلة، وهو ما يعكس نهج “الاستعراض السياسي” أكثر من كونه خطوة تشريعية ناضجة قابلة للتنفيذ. هذا التعارض بين البعد القانوني والإجراءات المتبعة وبين الإصرار السياسي من شخصيات مثل بن غفير وفوغل يكشف إلى أي حد تحولت قضية الأسرى إلى ورقة للمزايدات الداخلية، خاصة في ظل الانتقادات الموجهة للحكومة الإسرائيلية بشأن إدارتها للمعركة في غزة.
ورغم أن نتنياهو سعى إلى تأجيل النقاش، ربما إدراكًا لحساسية الملف دولياً واحتمال أن يعرّض إسرائيل لانتقادات حقوقية واسعة، فإن جناح اليمين المتطرف يستثمر أجواء الحرب لتمرير أجندة أكثر تشددًا. فالدعوة إلى إعدام الأسرى الفلسطينيين لا ترتبط فقط بمحاولة “ردع” الفصائل، بل تحمل أيضًا دلالات سياسية داخلية، تهدف إلى تعزيز صورة الحزم وتقديم رسائل انتخابية لجمهور القاعدة اليمينية.
رفض دولي متوقع
غير أن هذه الخطوة قد تأتي بنتائج عكسية، إذ أن تهديد الأسرى بالإعدام في حال المساس بالرهائن الإسرائيليين في غزة قد يضاعف المخاطر بدل أن يحقق الردع المزعوم، بل قد يدفع الفصائل إلى التشدد أكثر ورفض أي تسويات مستقبلية. كما أن المشروع، حتى وإن تم تمريره، سيصطدم بعقبات قانونية ودستورية داخل إسرائيل نفسها، ناهيك عن الرفض الدولي المتوقع الذي سيرى فيه انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني.
مشروع قانون إعدام الأسرى هو انعكاس للأزمة الداخلية التي يعيشها النظام السياسي الإسرائيلي، حيث تسعى مكونات اليمين المتطرف إلى فرض أجندتها من خلال استثمار الحرب. لكنه في الوقت نفسه يعكس مأزقًا استراتيجيًا: فبدل أن تبحث إسرائيل عن حلول سياسية وأمنية متوازنة تضع حدًا للحرب وتعالج ملف الأسرى والرهائن بواقعية، فإنها تنزلق أكثر نحو التشدد والشعبوية، ما ينذر بمزيد من العزلة الدولية وبمضاعفة التحديات الأمنية التي تدّعي أنها تحاول مواجهتها.






