تعود سياسة الاغتيالات الإسرائيلية في قطاع غزة إلى الواجهة من جديد، باعتبارها أداة ضغط سياسي وعسكري تتجاوز أهدافها الأمنية المباشرة. حيث يرى محللون أن استهداف نجل القيادي في حركة حماس خليل الحية يحمل رسائل تتعلق بإدارة التفاوض تحت النار، ومحاولة فرض معادلات جديدة على طاولة المباحثات، بالتزامن مع تصاعد الأزمات الداخلية التي تواجه حكومة بنيامين نتنياهو وتراجع شعبيتها.
وعلى الرغم من تواصل جهود الوساطات في القاهرة، تبدو الساحة الميدانية في غزة مرشحة لمزيد من التصعيد، في ظل استخدام الاحتلال القوة العسكرية كورقة لتعزيز شروطه السياسية وإرباك أي مسار تفاوضي قد يفرض عليه التزامات ميدانية أو سياسية.
أبعاد اغتيال ابن خليل الحية
محللون سياسيون، أجمعوا على أن تصعيد “إسرائيل” لسياسة الاغتيالات في قطاع غزة، تتجاوز البعد الأمني لتتحول إلى أداة سياسية تهدف لترميم صورة الردع أمام الجبهة الداخلية، وتوظيف التصعيد العسكري كمهرب من الأزمات الحزبية وتراجع شعبية الحكومة في استطلاعات الرأي.
محاولة اغتيال “إسرائيل” لنجل رئيس حركة “حماس”، خليل الحية أمس، يعكس تبنيها استراتيجية “التفاوض تحت النار”، لإبقاء المسار السياسي تحت سقف القوة ومنع تحوله إلى التزام ملزم للاحتلال. واستهدفت طائرات الاحتلال، أمس الأربعاء، عزام الحية، نجل قائد حركة “حماس”، خليل الحية، مما أدى لاصابته بجراح بالغة وارتقاء شهيد بجانبه، وذلك بالتزامن مع محادثات المرحلة الثانية الجارية في القاهرة. حسب وكالة صفا.
هذه الضربات – وفقا للمحللين – تهدف لتخريب الجهود الدبلوماسية، ونسف ثقة الشارع في أي مشروع سياسي، مستفيدة من غياب الإدانة الدولية والغطاء الأمريكي الذي يشرعن “حرية العمل العسكري” حتى أثناء الوساطة.
وأكد المختص بالشؤون الإسرائيلية، ياسر مناع، أن استهداف عزام خليل الحية، ترجمة دموية لتهديد شخصي صريح تلقاه والده الحية، رئيس وفد حماس المفاوض، خلال جلسات القاهرة الأخيرة، وذلك بعد رفضه القاطع لـ”انقلاب” إسرائيلي على التفاهمات السابقة،
التفاوض تحت سقف القوة
الدلالة الأهم تكمن في رغبة “إسرائيل”، إيصال رسالة بأن التفاوض لا يجمّد يدها الأمنية، وأن قيادات حماس وعائلاتهم لا يتمتعون بحصانة حتى أثناء الوساطة، فضلا عن أن هذا السلوك يضع الوسطاء أمام معادلة “مفاوضات تحت النار”، حيث يُراد للضغط الميداني أن يسبق أي نقاش جدي، كما أن الهدف ليس الضغط فحسب، بل إبقاء التفاوض تحت سقف القوة، ومنع المرحلة الثانية من التحول إلى مسار سياسي ملزم لإسرائيل، إلا إذا قبلت حماس شروطاً إسرائيلية أعلى، حسب تصريحات “مناع” لوكالة صفا.
المحلل عادل شديد، أكد أن “إسرائيل توظف الاغتيالات ليس فقط لاعتبارات أمنية، بل لترميم ثقة جبهتها الداخلية بمنظومتها العسكرية والسياسية، وتأثير ذلك على تماسك جبهة الخصوم، فضلا عن أن الجانب السياسي حاضر بقوة؛ فقد استخدمت “إسرائيل”، الاغتيالات تاريخياً لإزاحة قادة واستبدالهم بآخرين، أو لتخريب جهد سياسي وإحراج الطرف المفاوض لنسف ثقة الناس بأي مشروع سياسي مطروح.
“إسرائيل” لا ترى فيما تقوم به خرقاً للهدنة – حسب شديد – بل جزءاً من “حرية العمل العسكري”، لافتاً إلى أن وتيرة التصعيد ترتبط طردياً بتراجع شعبية نتنياهو في استطلاعات الرأي أو اقتراب الانتخابات، وكأن غزة هي الساحة الدائمة للهروب من الأزمات السياسية الداخلية.
ضغوط موازية بالنار
وفي السياق ذاته، وصف الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة، المشهد بأنه محاولة مباشرة للتفاوض بالدم “بينما تُمارس الضغوط في القاهرة عبر الصياغات، تُدار في غزة ضغوط موازية بالنار، موضحًا أن هذا المشهد يعيد الذاكرة إلى سبتمبر 2025، حين تعرض وفد الحركة لمحاولة اغتيال غير مباشرة في الدوحة أدت لاستشهاد همام الحية، بينما كانت الحركة تدرس مقترحاً أمريكياً”.
الرسالة الإسرائيلية الدائمة – حسب عفيفة – هي أن أي تقدم على الطاولة يجب أن يمر أولاً عبر ميزان القوة، مما خلق انطباعاً لدى الفصائل بأن الاحتلال يستخدم التصعيد، كلما اقتربت النقاشات من نقطة يمكن البناء عليها سياسياً.
وقال الكاتب محمد العيلة، إن هذا الاستهداف لم يكن مفاجئاً، ليس فقط لأنه طبع العدو، بل لوجود تهديد شخصي صريح وُجه للقيادي خليل الحية بدفع ثمن غالٍ، خلال جلسة التفاوض الأخيرة التي سبقت عملية الاغتيال بوقت قصير، مؤكدًا أن هذا التصعيد جاء رداً على رفض الوفد القبول بالإملاءات الإسرائيلية “الوقحة” التي انقلبت على ما تم التوقيع والتفاهم عليه في القاهرة وإسطنبول؛ حيث طالب الاحتلال بالنزع الفوري لكافة أشكال السلاح حتى الشخصي منها، دون تقديم أي التزام أو تعهد في المقابل.




