في خطوة غير مسبوقة منذ احتلال مدينة القدس عام 1967، أقدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على منع إحياء ليلة القدر والاعتكاف في العشر الأواخر من شهر رمضان داخل المسجد الأقصى المبارك، عبر إغلاق أبوابه أمام المصلين بحجة “الظروف الأمنية”.
هذا القرار لا يُنظر إليه بوصفه إجراءً مؤقتًا مرتبطًا بحالة أمنية طارئة فحسب، بل يُقرأ في سياق أوسع من السياسات الهادفة إلى إعادة تشكيل الواقع الديني والإداري في المسجد الأقصى، وتقليص الحضور الإسلامي فيه تدريجيًا. حيث يتوافد عشرات الآلاف من المصلين إلى المسجد الأقصى لإحياء الصلوات والاعتكاف والدعاء.
تصاعد نفوذ جماعات “الهيكل” المتطرفة
ويرى مراقبون أن هذا الإجراء لا يمكن فصله عن سياق سياسي أوسع، خصوصًا في ظل تصاعد نفوذ جماعات “الهيكل” المتطرفة التي تدفع باتجاه فرض تغييرات جوهرية في واقع المسجد الأقصى، وصولًا إلى ما تسميه “تقاسمًا زمانيًا ومكانيًا” للمكان. ويبدو أن الظروف الإقليمية الحالية، خاصة انشغال العالم بالتوترات العسكرية في المنطقة، قد وفرت بيئة مناسبة لمحاولة تمرير إجراءات كانت تواجه سابقًا مقاومة شعبية ودولية أوسع.
ودائمًا ما تشهد العشر الأواخر من رمضان في كل عام تواجدًا كبيرًا للمصلين الفلسطينيين في المسجد الأقصى، من أجل الصلاة والاعتكاف والدعاء وإحياء ليلة القدر، وسط أجواء إيمانية وروحانية، يحرصون على إحيائها، رغم إجراءات الاحتلال وقيوده التي يفرضها على الوصول للمسجد.
ويعتبر الاعتكاف في المسجد الأقصى بالنسبة للمقدسيين والفلسطينيين أكثر من مجرد عبادة وشعيرة دينية، فهو وسيلة لتعزيز الحضور الإسلامي فيه، وفعل مقاومة وصورة من صور الثبات والتصدي لمحاولات التهويد والتقسيم الزماني والمكاني. وتواصل سلطات الاحتلال إغلاق الأقصى بالكامل منذ بدء الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، مبررة ذلك بإعلان “حالة الطوارئ والسلامة العامة”، رغم أن هذه الإجراءات تُطبق فقط على المسجد المبارك، فيما بقية المساجد في القدس تمتلئ بالمصلين.
قرار مباشر من سلطات الاحتلال
ويُعد منع الاعتكاف سابقة غير معهودة في تاريخ المسجد الأقصى، إذ جرى هذا المنع بقرار مباشر من سلطات الاحتلال، وليس بقرار من دائرة الأوقاف الإسلامية كما حدث في ظروف استثنائية سابقة في جائحِة “كورونا”. ودعت الهيئة الإسلامية العليا في القدس لشد الرخال إلى المسجد الأقصى لإحياء ليلة القدر فيه، قائلة: “إذا مُنع المسلم من الوصول إلى المسجد فإنه يصلي حيث يُمنع، وله ثواب من يصلي في الأقصى”.
إغلاق المسجد الأقصى أو تقييد الدخول إليه ومنع الاعتكاف ليس بهدف حماية المصلين، بل هو قرار سياسي مقصود. فضلا عن أن الجهة المسؤولة عن شؤون المصلين وسلامتهم هي دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، إضافة إلى وجهاء المدينة، وليس سلطات الاحتلال. حسب تصريحات المختص في شؤون القدس حسن خاطر لوكالة صفا.
القرار لا يمكن اعتباره في صالح المصلين، بل يرتبط بحسابات سياسية وخضوع بضغوط وابتزاز من منظمات الهيكل المتطرفة، خاصة أن بعض هذه الجماعات احتفلت عبر وسائل التواصل الاجتماعي بقرار إغلاق المسجد، هذه المؤشرات تدل على أن المسألة لا تتعلق بالسلامة العامة بقدر ما ترتبط باعتبارات سياسية، خصوصًا في ظل مطالب تلك الجماعات بالسماح بإدخال قرابين حيوانية إلى داخل باحات المسجد”. وفقا لـ خاطر.
المساس بخصوصية الأقصى الدينية خط أحمر
ويشير المختص في شؤون القدس، إلى أنه لو استمرت الشعائر الدينية في الأقصى خلال رمضان، مثل صلاتي التراويح والجمعة والاعتكاف في العشر الأواخر وإحياء ليلة القدر، لما تجرأت المنظمات المتطرفة على طرح مثل هذه الأفكار. موضحًا أن الإجراءات الأخيرة خلقت حالة فراغ داخل المسجد الأقصى، الأمر الذي قد يفتح المجال أمام محاولات فرض وقائع جديدة.
هذه الخطوة تعتبر محاولة لالغاء القانون الذي يخضع إليه المسجد الاقصى والمقدسات في البلدة القديمة بالقدس، والمعروفة بنظام “الستاتيكو”، وهو قانون عثماني قديم يقوم على مبدأ إبقاء الأوضاع القائمة دون تغيير فيما يتعلق بإدارة الأماكن المقدسة. وباتت سلطات الاحتلال – كما يبين خاطر – تتدخل بشكل مباشر في تفاصيل إدارة المسجد الأقصى، وأصبحت الشرطة هي الجهة التي تتحكم بفتحه أو إغلاقه، وتحدد من يسمح له بالدخول للصلاة ومن يمنع.
أعمال ترميم أو صيانة داخل المسجد، حتى وإن كانت بسيطة مثل استبدال قطعة رخام أو إصلاحات كهربائية، تتطلب موافقة مسبقة من شرطة الاحتلال. فضلا عن أن هذه الإجراءات تمثل سحبًا تدريجيًا لصلاحيات دائرة الأوقاف الإسلامية، وتغييرًا لطبيعة إدارة المسجد وخصوصيته، وكأنه أصبح “مقدس يهودي”، محذرًا من أن ذلك يمس بخصوصية الأقصى الدينية والتاريخية. حسب المختص في شؤون القدس.
موقف عربي وإسلامي
ويدعو إلى ضرورة اتخاذ موقف عربي وإسلامي واضح لمواجهة هذه التطورات، معتبرًا أن غياب مثل هذا الموقف يشجع الجماعات المتطرفة على مواصلة مخططاتها بحق الأقصى. ويتخوف الاحتلال من الاعتكاف داخل الأقصى ومن أي مظاهر للحضور الجماهيري الكبير داخله، خاصة خلال شهر رمضان، الذي يشهد توافد مئات الآلاف من المصلين.
وأكد خاطر أن هذا الحضور والزخم الكبير يبعث برسائل متعددة، أبرزها أن للمسجد الأقصى أهله ومصليه، وأن هناك من هو مستعد للدفاع عنه وحمايته، وهو ما يحاول الاحتلال تقليصه عبر إجراءات مثل تحديد الأعمار المسموح لها بالدخول أو تقليص أعداد المصلين. وتفرض سلطات الاحتلال إجراءات معقدة على دخول المصلين إلى المسجد الأقصى، تشمل تحديد الأعمار المسموح لها بالصلاة والحصول على تصاريح مسبقة، إلى جانب إجراءات تفتيش وإغلاقات متكررة.
تغييب صورة الحشود
الهدف من هذه الإجراءات هو تقليص أعداد المصلين الذين يستطيعون الوصول إلى المسجد، خاصة خلال شهر رمضان، وتغييب صورة الحشود التي لا يخشاها الاحتلال. فضلا عن الإجراءات الأخيرة ساهمت في تغييب المشهد الجماهيري الكبير داخل المسجد الأقصى، وهو المشهد الذي لا ترغب سلطات الاحتلال في ظهوره، لما يحمله من دلالات على ارتباط المسلمين بالمسجد وتمسكهم بالصلاة فيه. حسب تصريحات المختص في شؤون القدس حسن خاطر لوكالة صفا.
ويشدد على أن قوة المسجد الأقصى تكمن في وجود المصلين وأهالي القدس، وفي المواقف الشعبية التي نجحت على مدار عقود في إحباط العديد من المخططات التي تستهدف المسجد. فضلا عن أن المدافعين الأساسيين عن الأقصى هم سكان المدينة والمصلون الذين يحرصون على شد الرحال إليه رغم القيود المفروضة، خاصة أن تجربة عام 2017 “هبة البوابات الإلكترونية” شكّلت مثالًا واضحًا على قدرة الحراك الشعبي في مدينة القدس على التأثير.





