مع اقتراب عام 2025 من نهايته، قدّم برنامج “فيستي نيديلي”، وهو أبرز برنامج إخباري أسبوعي في روسيا يُبث مساء الأحد، قراءة شاملة لحصيلة عام اتسم بالاضطراب والتقلّبات الجيوسياسية. وقد شكّل هذا البثّ محور الحلقة الأخيرة من بودكاست “فكّ شفرة روسيا”، حيث يناقش الخبيران في الشؤون الروسية، آندي كوتشينز وكريس مونداي، الطريقة التي ترى بها النخب الروسية العالم وكيف تسعى إلى التأثير في مساراته.
كان العنوان العريض في حلقة الأحد هو الدبلوماسية الروسية وإطارها الجديد تجاه العلاقات مع الولايات المتحدة. فقد أولى التلفزيون الروسي مساحة واسعة للمكالمة الهاتفية التي استغرقت ساعة كاملة بين الرئيس دونالد ترامب والرئيس فلاديمير بوتين، والتي سبقت مباشرة لقاء ترامب مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. ويرى مونداي أن موسكو لا تبدو متعجلة للتوصل إلى تسوية، بقدر ما تسعى إلى تعظيم مكاسب النفوذ، قائلاً:
“يستخدم بوتين عملية التفاوض بصورة محسوبة للضغط على زيلينسكي، ودفعه إلى تقديم تنازلات غير شعبية.”
في الوقت ذاته، يحرص الكرملين على منح المحادثات الروسية-الأمريكية زخماً رمزياً خاصاً. فمع الإشارة إلى قمة ترامب-بوتين في ألاسكا خلال أغسطس، أعادت وسائل الإعلام الروسية إحياء تعبير “روح أنكوراج” في محاولة لاستدعاء أجواء قمم الحرب الباردة حين كانت موسكو تتمتع بمكانة قوة عظمى معترف بها.
أما المشهد الأوروبي، فتقدّمه تغطية نهاية العام بصورة أكثر قتامة. إذ أصبح الخطاب الروسي تجاه قادة أوروبا أشد قسوة واستخفافاً، وصولاً إلى استخدام بوتين وصفاً مهيناً خلال اجتماع أخير مع قيادات عسكرية. ويشير كوتشينز إلى أن هذه اللغة مقصودة ومحمّلة بالدلالات: فالأوروبيون يُصوَّرون كفاعلين تابعين يعتمدون على “الأم-الراعية” الأميركية. وحتى عندما تسعى أوروبا إلى تأكيد دورها الاستراتيجي عبر حزمة القروض الجديدة لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، تتعامل موسكو مع هذه الخطوة باعتبارها تبديداً لأموال دافعي الضرائب وليس استثماراً جيوسياسياً.
داخلياً، يعمل البرنامج على ترميم صورة بوتين. فقد اختفت المظاهر الاحتفالية الصاخبة، وحلّ محلها مشهد لقائد أعلى بهيئة متقشّفة يرتدي زياً عسكرياً بسيطاً ويعكس قدراً من الانضباط والهدوء — في رسالة إعلامية تستهدف ترسيخ صورة الصمود والاستمرارية. غير أن هذا الخطاب يتبدّل عندما يتعلق الأمر بالتكنولوجيا؛ إذ يقدّم الكرملين روسيا كقوة صاعدة في مجال الذكاء الاصطناعي، رغم اعتراف كوتشينز بأن استمرار الحرب والعقوبات يطيل المسافة التي تحتاجها موسكو للحاق بالولايات المتحدة والصين.
ويعتبر مقدّما البودكاست أن ما لا يظهر على الشاشة الروسية يكتسب دلالة لا تقل أهمية عما يُعرض عليها. فالتغطية الرسمية تجاهلت مثلاً تقريراً لصحيفة نيويورك تايمز يفيد بأن أحد كبار مساعدي بوتين عارض غزو أوكرانيا عام 2022، كما غاب عن نشرات الأخبار ذكر الهجوم الصاروخي الروسي الأخير الذي أصاب مبنى سفارة أذربيجان في كييف — في ما يعكس نهجاً انتقائياً يهدف إلى ضبط السردية العامة وتوجيهها بعيداً عن الموضوعات الحسّاسة.






