أعلنت السلطات الأوكرانية حالة الطوارئ في قطاع الطاقة، مع تركيز خاص على العاصمة كييف، في ظل استمرار الضربات الروسية التي خلّفت آلاف المنازل من دون كهرباء وتدفئة، في واحدة من أقسى موجات الشتاء التي تشهدها البلاد منذ سنوات. الإعلان جاء في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتقاطع الضغوط العسكرية مع مأزق سياسي متزايد في مسار البحث عن تسوية للحرب المستمرة منذ ما يقارب أربع سنوات.
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي اتهم موسكو صراحة بتوظيف الظروف المناخية القاسية كسلاح إضافي في استراتيجيتها الحربية، مشيرًا إلى أن درجات الحرارة في كييف انخفضت ليلاً إلى نحو 20 درجة مئوية تحت الصفر، ما يحوّل انقطاع الكهرباء من أزمة خدمية إلى تهديد مباشر للحياة.
الطاقة في قلب المعركة
خلال الأسابيع الأخيرة، كثّفت روسيا هجماتها الصاروخية وبالطائرات المسيّرة على البنية التحتية الحيوية في كييف، مستهدفة محطات الكهرباء والتدفئة والمياه. وبلغت ذروة هذه الهجمات الأسبوع الماضي، حين انقطعت الكهرباء عن نحو 70% من العاصمة لعدة ساعات بعد ليلة وُصفت بأنها من الأعنف منذ بداية الشتاء.
هذه الضربات أعادت إلى الواجهة معادلة الحرب الطاقوية التي تعتمدها موسكو، والتي تقوم على إنهاك المدن الأوكرانية خلال الشتاء، وزيادة الضغط الاجتماعي والإنساني على الحكومة في كييف، في وقت تعاني فيه البلاد أصلاً من استنزاف اقتصادي وعسكري طويل الأمد.
فريق طوارئ على مدار الساعة
عقب اجتماع طارئ لمجلس الوزراء، أعلن زيلينسكي تشكيل فريق عمل يعمل على مدار الساعة لمعالجة الأضرار الناتجة عن القصف وتدهور الأحوال الجوية. وأوضح أن الخطة تشمل استيراد معدات وموارد طاقة حيوية من الخارج، بهدف تعويض المنشآت المتضررة وضمان الحد الأدنى من الإمدادات للسكان.
وكتب الرئيس الأوكراني على منصة “إكس” أن النائب الأول لرئيس الوزراء ووزير الطاقة كُلّف بالإشراف المباشر على الجهود الرامية لدعم الأفراد والمجتمعات في ظل هذه الظروف الاستثنائية.
كما أمرت الحكومة بزيادة عدد نقاط المساعدة الطارئة في محيط كييف، لتوفير التدفئة والكهرباء للسكان، في خطوة قد تفضي إلى تخفيف حظر التجول المفروض عند منتصف الليل، إذا ما سمحت الظروف الأمنية بذلك.
تصدّع سياسي في مسار السلام
إعلان حالة الطوارئ تزامن مع تصريحات مثيرة للجدل أدلى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قال فيها إنه يعرقل جهود التوصل إلى اتفاق سلام لإنهاء الحرب، معتبرًا أن أوكرانيا “أقل استعدادًا لإبرام اتفاق” من روسيا.
وفي تصريح لوكالة رويترز، حمّل ترامب الرئيس الأوكراني مسؤولية تعثّر المحادثات، قائلاً باقتضاب: “زيلينسكي”. هذه التصريحات عكست تحوّلًا لافتًا في الخطاب الأمريكي، من دعم غير مشروط لكييف إلى نبرة أكثر تشكيكًا في خيارات قيادتها السياسية.
الكرملين سارع إلى استثمار هذا الموقف، حيث قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف إن الرئيس فلاديمير بوتين “لا يزال منفتحًا على المحادثات”، في توافق نادر مع التقييم الأمريكي، يعكس محاولة روسية لتصوير موسكو كطرف مرن مقابل قيادة أوكرانية متشددة.
لقاء محتمل… بلا وعود
من المنتظر أن يحضر كل من ترامب وزيلينسكي المنتدى الاقتصادي العالمي في سويسرا الأسبوع المقبل، غير أن الرئيس الأمريكي أوضح أنه لا توجد خطط رسمية لعقد اجتماع بينهما، ما يعكس فتورًا في العلاقة بين الحليفين المفترضين، ويزيد من عزلة كييف في لحظة حرجة.
هذا الغموض السياسي يتزامن مع أزمة إنسانية متفاقمة، حيث يجد سكان كييف أنفسهم عالقين بين برد قارس، وبنية تحتية منهكة، وحسابات دولية قد لا تضع معاناتهم في مقدمة الأولويات.
ما بعد الكهرباء… اختبار الصمود
أزمة الطاقة الحالية ليست مجرد فصل شتوي قاسٍ، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة الأوكرانية على الصمود داخليًا، ولتماسك الدعم الغربي خارجيًا. ففي وقت تستخدم فيه روسيا “سلاح الشتاء” لإضعاف الجبهة الداخلية، تواجه كييف خطر تحوّل المعركة من خطوط القتال إلى شوارع المدن وغرف المنازل الباردة.
وبين القصف الروسي، وتردّد الحلفاء، وتعقيد مسار السلام، تبدو أوكرانيا أمام شتاء سياسي وعسكري لا يقل قسوة عن شتائها المناخي.






