مع استمرار المواجهة بين إسرائيل وحزب الله منذ مارس/آذار الماضي، تتكشف تدريجياً صورة الخسائر البشرية والاقتصادية التي خلفها الصراع في لبنان.
فبحسب أحدث بيانات وزارة الصحة اللبنانية، تجاوز عدد القتلى 4 آلاف شخص، فيما أصيب أكثر من 12 ألفاً آخرين، في واحدة من أكثر جولات التصعيد دموية في تاريخ المواجهة بين الطرفين.
لكن الأرقام لا تعكس وحدها حجم المأساة. فالحرب لم تقتصر على الخسائر البشرية، بل امتدت إلى البنية التحتية والاقتصاد والخدمات الأساسية، لتضع لبنان أمام تحديات إعادة إعمار ضخمة في وقت يعاني فيه أصلاً من أزمات مالية واقتصادية متراكمة.
من هم ضحايا الحرب؟
تشير البيانات الرسمية إلى أن آلاف المدنيين سقطوا خلال الأشهر الماضية، بينهم عدد كبير من العاملين في القطاع الصحي وفرق الإسعاف والإنقاذ.
كما شهدت الأيام الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد الضحايا مع استمرار الغارات الجوية والقصف المتبادل، خصوصاً في جنوب لبنان والبقاع والمناطق الحدودية.
ويعكس ذلك اتساع رقعة العمليات العسكرية وتحول أجزاء واسعة من البلاد إلى ساحات مواجهة مباشرة.
لماذا تركز الدمار في الجنوب؟
يعد جنوب لبنان مركز المواجهة الرئيسي بين إسرائيل وحزب الله، ما جعله المنطقة الأكثر تضرراً من العمليات العسكرية.
فقد تعرضت عشرات القرى والبلدات لغارات متكررة، فيما دُمرت أحياء سكنية كاملة وتضررت شبكات الكهرباء والمياه والطرق.
كما امتد القصف إلى الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق أخرى، ما أدى إلى موجات نزوح واسعة وأضرار كبيرة في الممتلكات العامة والخاصة.
البنية التحتية تحت النار
خلال الأسابيع الأولى من الحرب، استهدفت الهجمات عدداً من المنشآت الحيوية، من بينها مستشفيات ومحطات كهرباء ومرافق لضخ المياه.
وتسببت هذه الأضرار في زيادة الضغط على الخدمات الأساسية التي كانت تعاني أصلاً من أزمات مزمنة نتيجة الانهيار الاقتصادي الذي يشهده لبنان منذ سنوات.
ويخشى خبراء من أن تؤدي الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية إلى إبطاء أي جهود مستقبلية للتعافي الاقتصادي.
عشرات آلاف المنازل المتضررة
تشير التقديرات الرسمية إلى تضرر أو تدمير أكثر من 68 ألف منزل في مختلف أنحاء البلاد.
ويعني ذلك أن مئات آلاف اللبنانيين تأثروا بشكل مباشر بالحرب، سواء عبر فقدان مساكنهم أو اضطرارهم إلى النزوح أو تحمل تكاليف إعادة الترميم.
كما يضع هذا الواقع الحكومة اللبنانية أمام تحدٍ مالي ضخم في ظل محدودية الموارد وغياب التمويل الكافي لإعادة الإعمار.
الاقتصاد اللبناني يدفع الثمن
تأتي هذه الحرب في وقت يعاني فيه لبنان بالفعل من واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث.
فمنذ عام 2019، يواجه البلد انهياراً مالياً ونقدياً أدى إلى تراجع قيمة العملة وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.
واليوم، تضيف الحرب عبئاً جديداً على الاقتصاد، من خلال تدمير البنية التحتية وتعطيل النشاط التجاري والسياحي والاستثماري.
وتحذر التقديرات الحكومية من أن الاقتصاد اللبناني قد ينكمش بنسبة لا تقل عن 7% خلال العام الجاري نتيجة استمرار العمليات العسكرية.
بيروت بين إعادة الإعمار والبقاء
في العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية، تقدر الخسائر المادية بمئات ملايين الدولارات.
لكن التحدي الأكبر لا يتعلق فقط بإصلاح المباني المتضررة، بل بإعادة تنشيط الاقتصاد واستعادة الثقة لدى المستثمرين والمؤسسات الدولية.
فالحرب جاءت في لحظة كان لبنان يحاول فيها الخروج تدريجياً من سنوات طويلة من الانهيار المالي، ما يجعل آثارها أكثر خطورة من مجرد خسائر مادية مباشرة.
ماذا بعد؟
يبقى السؤال الأساسي: هل يستطيع لبنان تحمل كلفة حرب جديدة بهذا الحجم؟
فبين الدمار الواسع والخسائر البشرية والانكماش الاقتصادي المتوقع، تبدو مهمة التعافي أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
كما أن استمرار التوتر العسكري يهدد بتوسيع حجم الأضرار وتأجيل أي جهود لإعادة الإعمار أو استعادة النشاط الاقتصادي.






