يواصل لبنان التمسك بتثبيت وقف إطلاق النار باعتباره المدخل الإلزامي قبل الانخراط في أي مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، في موقف يعكس أولوية احتواء التصعيد الميداني قبل الانتقال إلى المسارات السياسية والدبلوماسية.
ويأتي هذا التوجه في وقت تتزايد فيه التحركات الإقليمية والدولية لدفع التهدئة ومنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة أوسع.
وتؤكد دوائر سياسية ووزارية أن أي حديث عن مفاوضات لا يمكن أن يسبق تثبيت الهدنة ميدانيًا، في ظل استمرار هشاشة الوضع الأمني، واستمرار المخاوف المرتبطة بالخروقات والتصعيد جنوب البلاد، ما يجعل أولوية بيروت في هذه المرحلة تتركز على وقف العمليات العسكرية بشكل كامل وخلق بيئة مستقرة لأي تفاوض محتمل.
هدنة هشة ومخاوف من تقويض المسار السياسي
ورغم الحديث عن تحركات دبلوماسية نشطة، لا تزال الهدنة تواجه اختبارات ميدانية معقدة، وسط تقديرات بأن استمرار الخروقات يهدد بإجهاض أي فرصة لتحويل التهدئة المؤقتة إلى مسار سياسي مستدام.
وترى مصادر لبنانية أن وقف إطلاق النار الكامل لا يمثل فقط شرطًا أمنيًا، بل قاعدة سياسية لإطلاق أي تفاوض جدي، خصوصًا في ظل ارتباط تحركات الأطراف الفاعلة، وعلى رأسها حزب الله، بتطورات الميدان وطبيعة الردود على التحركات الإسرائيلية.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى إزالة مسببات التوتر كخطوة ضرورية لسحب ذرائع التصعيد، بما يمهد لخلق ظروف أكثر ملاءمة لأي تفاوض مرتبط بالحدود أو الانسحاب أو ترتيبات ما بعد الهدنة.
حراك دبلوماسي وسط ترقب لقاءات مفصلية
ويتزامن هذا الموقف اللبناني مع ترقب حذر لتحركات دبلوماسية متسارعة، خصوصًا مع تضارب المعلومات بشأن لقاء محتمل بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في واشنطن، وهو احتمال يثير اهتمامًا سياسيًا واسعًا رغم غياب مؤشرات مؤكدة حول انعقاده.
ويرى مراقبون أن مجرد تداول هذا الاحتمال يعكس حجم التحركات الجارية خلف الكواليس، كما يشير إلى وجود مساعٍ لاستكشاف فرص سياسية موازية للمسار الأمني، وإن كانت بيروت ما زالت تربط أي انفتاح تفاوضي بتحقيق الاستقرار أولًا.
دعم عربي يرسخ الموقف اللبناني
وفي موازاة المسار الأمني، يحظى لبنان بدعم عربي لافت يُنظر إليه باعتباره عنصر قوة للموقف الرسمي، سواء في ما يتعلق بتثبيت الاستقرار الداخلي أو تعزيز الموقف التفاوضي في مواجهة التحديات الراهنة.
وتشير المعطيات السياسية إلى أن الاتصالات العربية المكثفة مع مسؤولين لبنانيين بارزين، بينهم رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، تركز على دعم التماسك الداخلي، وتخفيف التوتر السياسي، وإعادة تنشيط المؤسسات الدستورية كجزء من حماية الجبهة الداخلية.
ويعكس هذا الحراك إدراكًا عربيًا بأن الاستقرار اللبناني بات جزءًا من توازن إقليمي أوسع، وأن دعم بيروت في هذه اللحظة يمثل استثمارًا في منع انفجار جديد بالمنطقة.
توحيد الداخل لتحصين التفاوض
ويتمثل أحد أبرز رهانات المرحلة الحالية في توحيد الموقف اللبناني الداخلي، باعتباره شرطًا لا يقل أهمية عن التهدئة الميدانية، خاصة مع قناعة متزايدة بأن الانقسامات الداخلية قد تُضعف أي أوراق تفاوضية محتملة.
ولهذا تتجه الجهود، وفق أوساط سياسية، نحو تخفيف الاحتقان بين مكونات المشهد الداخلي، وتعزيز التنسيق بين مؤسسات الدولة، بما يمنح لبنان قدرة أكبر على التعامل مع أي استحقاقات مقبلة، سواء كانت أمنية أو تفاوضية.
فرصة لا يريد لبنان تفويتها
وسط هذه التطورات، تبدو بيروت حريصة على عدم إهدار ما يُنظر إليه كنافذة نادرة لاستعادة الاستقرار والدفع نحو انسحاب إسرائيلي محتمل، وهو ما يفسر تشددها في ربط أي تفاوض بتثبيت الهدنة أولًا، وليس العكس.
ويؤشر هذا الموقف إلى مقاربة لبنانية تحاول الجمع بين الواقعية السياسية والحذر الأمني، بما يضمن عدم تحويل المفاوضات إلى غطاء لاستمرار التوتر، بل إلى مسار يمكن البناء عليه لإنتاج تهدئة أكثر استدامة.
في المحصلة، يقف لبنان أمام مرحلة دقيقة يتقاطع فيها الأمني بالدبلوماسي، بينما يبدو تثبيت وقف النار العنوان الحاكم لأي خطوات لاحقة. وبين دعم عربي متصاعد، وحراك سياسي متسارع، ورهانات على تحصين الداخل، تتشكل ملامح مقاربة لبنانية عنوانها الواضح: لا تفاوض قبل تثبيت التهدئة، ولا استقرار دون موقف موحد يحمي فرص السلام.




