تدخل سوريا مرحلة سياسية وقضائية جديدة مع انطلاق أولى المحاكمات العلنية لرموز بارزة من عهد الرئيس المخلوع بشار الأسد، في خطوة تُعد تحولًا لافتًا في مسار العدالة الانتقالية، وتفتح الباب أمام ملاحقات قد تطول مسؤولين متورطين في انتهاكات ارتُكبت خلال سنوات الصراع، وسط تزامن ذلك مع توترات أمنية متصاعدة في ريف حماة عقب توقيف أشخاص على صلة بالمتهم الرئيسي في «مجزرة التضامن».
محاكمة تاريخية لعاطف نجيب
وتتجه الأنظار إلى دمشق، حيث تبدأ محاكمة المسؤول الأمني السابق عاطف نجيب، في تطور يُنظر إليه باعتباره اختبارًا مبكرًا لجدية السلطات السورية في التعامل مع ملفات الانتهاكات ومحاسبة المتورطين فيها.
ويحمل مثول نجيب أمام القضاء دلالات سياسية وقانونية تتجاوز شخصه، باعتباره أحد أبرز الوجوه المرتبطة بالقبضة الأمنية في السنوات الأولى من الأزمة السورية، خاصة مع ارتباط اسمه بمحافظة درعا التي انطلقت منها شرارة الاحتجاجات في عام 2011.
ويرى مراقبون أن هذه المحاكمة قد تمثل بداية مسار أوسع لإعادة فتح ملفات العدالة المؤجلة، خصوصًا مع حديث متصاعد عن إعداد ملفات قضائية تخص شخصيات أخرى من الصف الأول والثاني في النظام السابق.
ملاحقات لرموز النظام السابق
وتفيد المؤشرات المتداولة بأن محاكمة نجيب ليست حدثًا منفصلًا، بل مقدمة لسلسلة من المحاكمات المنتظرة لعدد من المسؤولين والضباط المتهمين بارتكاب انتهاكات خلال سنوات الحرب.
هذا المسار، إذا توسّع، قد يعيد تشكيل المشهد الداخلي في سوريا، ليس فقط على المستوى القضائي، وإنما أيضًا سياسيًا واجتماعيًا، في ظل مطالب متزايدة من أسر الضحايا ومنظمات حقوقية بضرورة تحقيق العدالة وعدم الاكتفاء بمحاكمات رمزية.
ويرى متابعون أن هذه الخطوة تحمل رسائل متعددة؛ داخلية تتعلق بإعادة ترتيب المشهد السوري، وخارجية تتصل بإظهار انفتاح على مسار العدالة والمساءلة بما قد ينعكس على الملف السوري دوليًا.
«مجزرة التضامن» تعود إلى الواجهة
وبالتوازي مع بدء المحاكمات، عادت قضية «مجزرة التضامن» إلى صدارة المشهد بعد توقيف والد أمجد يوسف، المتهم الرئيسي في القضية، إلى جانب أشخاص آخرين بتهمة المساعدة في إخفائه.
وتُعد القضية واحدة من أكثر ملفات الانتهاكات التي أثارت صدمة واسعة، بعدما تحولت إلى رمز لجرائم الحرب المرتكبة خلال النزاع السوري، وأعادت إلى الواجهة مطالب بمحاسبة جميع المتورطين، وليس فقط المنفذين المباشرين.
ويبعث إعادة تحريك هذا الملف بالتزامن مع بدء المحاكمات برسالة واضحة بأن السلطات في سوريا تتحرك على أكثر من مسار لفتح ملفات الماضي، وسط ترقب لما إذا كانت هذه الإجراءات ستقود إلى منظومة عدالة أشمل.
مخاوف من ارتدادات محلية
وفي ريف حماة، وتحديدًا في قرية نبع الطيب بسهل الغاب، تسود أجواء من الحذر بعد حملة توقيفات رافقها انتشار أمني مكثف، ما أثار مخاوف من انعكاسات محلية للتطورات القضائية.
ويعكس التوتر القائم حساسية ملاحقة شخصيات مرتبطة بملفات أمنية وعسكرية معقدة، خاصة في مناطق ما زالت التوازنات الاجتماعية والعشائرية فيها تلعب دورًا مؤثرًا.
ويرى مراقبون أن نجاح مسار المحاكمات سيكون مرتبطًا بقدرة الدولة على احتواء أي ارتدادات أمنية أو اجتماعية، ومنع تحول ملفات العدالة إلى بؤر توتر جديدة.
العدالة الانتقالية أمام اختبار حقيقي
ورغم الرمزية الكبيرة لبدء المحاكمات، يبقى التحدي الحقيقي في تحويل هذه الخطوات إلى مسار مؤسسي متكامل للعدالة الانتقالية، يشمل المحاسبة، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، والمصالحة المجتمعية.
ويؤكد خبراء أن الاقتصار على محاكمات محدودة قد لا يكون كافيًا ما لم يندرج ضمن مشروع أوسع لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، خصوصًا بعد سنوات طويلة من الصراع والانقسامات.
كما أن نجاح هذا المسار سيكون مرهونًا بمدى استقلاليته وشفافيته، وقدرته على التعامل مع ملفات شديدة التعقيد دون انتقائية أو توظيف سياسي.




