في خضم تصاعد التوترات الإقليمية وتسارع التحركات الدبلوماسية في المنطقة، برزت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كمحطة مهمة للمشاورات السياسية، مع استقبال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في لقاء حمل دلالات تتجاوز الطابع البروتوكولي، ليعكس حراكًا سياسيًا يهدف إلى احتواء التوترات وفتح قنوات تفاوض جديدة وسط مشهد إقليمي شديد التعقيد.
إسلام آباد ساحة دبلوماسية
اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء الباكستاني، بحضور وزير الخارجية إسحاق دار وقائد الجيش عاصم منير، عكس أهمية التنسيق الباكستاني الإيراني في هذه المرحلة الحساسة، لا سيما مع احتدام التوتر في المنطقة، وارتفاع المخاوف من انزلاق الأوضاع إلى مواجهة أوسع.
ووفق ما رشح عن الاجتماع، فقد تصدر “الوضع الإقليمي الراهن” جدول المباحثات، بما يشمل جهود خفض التصعيد، ومناقشة تطورات المفاوضات الجارية، في ظل تصاعد التحركات السياسية والعسكرية في أكثر من جبهة.
ولم تكن زيارة عباس عراقجي إلى إسلام آباد، منفصلة عن مسار التفاوض الأوسع، إذ حمل الوزير الإيراني، بحسب مصادر مطلعة، رؤية طهران بشأن مسار المباحثات، إلى جانب عرض تحفظاتها تجاه بعض المواقف الأميركية، في خطوة تعكس استمرار إيران في توظيف القنوات الإقليمية لدعم موقفها التفاوضي.
ويشير مراقبون إلى أن لجوء إيران إلى التشاور مع باكستان، بما تمثله من ثقل إقليمي وعلاقات متوازنة مع أطراف عدة، يعكس رغبة في توسيع دائرة الوساطات وإيجاد مساحات مرنة للحوار.
دور باكستاني متصاعد
وتعزز التحركات الباكستانية الأخيرة من حضور إسلام آباد كلاعب سياسي يسعى للموازنة بين مصالحه الإقليمية ومتطلبات الاستقرار، خاصة في ظل علاقاتها المعقدة مع كل من إيران والولايات المتحدة، فضلًا عن حساسيات الجوار الجيوسياسي.
ويرى محللون أن مشاركة قائد الجيش الباكستاني في اللقاء تضفي على المشاورات بعدًا أمنيًا واستراتيجيًا، وتؤكد أن المباحثات لم تقتصر على الشق السياسي، بل امتدت إلى ملفات ترتبط بأمن المنطقة وترتيبات التهدئة المحتملة.
وتأتي اللقاءات التي عقدها عراقجي في باكستان ضمن سلسلة تحركات دبلوماسية أوسع تستهدف منع تفاقم التوتر، خصوصًا في ظل الحديث عن فرص لا تزال قائمة للتوصل إلى تفاهمات سياسية.
وتتقاطع هذه التحركات مع مؤشرات دولية تدفع نحو منح المسار التفاوضي فرصة جديدة، خاصة مع الحديث الأميركي عن “فرصة حاسمة” أمام إيران للتوصل إلى اتفاق يوصف بأنه “جيد وحكيم”، ما يضفي على التحركات الجارية بعدًا يتجاوز الإطار الثنائي.
رسائل سياسية تتجاوز حدود اللقاء
ورغم محدودية التفاصيل المعلنة عن الاجتماع، فإن توقيته ومشاركة كبار المسؤولين فيه يمنحانه دلالات تتصل بإعادة تموضع إقليمي، وربما اختبار فرص جديدة للدبلوماسية في لحظة حرجة.
كما تعكس الزيارة، بحسب متابعين، محاولة لنسج تفاهمات موازية عبر العواصم الإقليمية، في وقت تتزايد فيه الرهانات على دور القوى الوسطية في منع توسع دائرة التصعيد.
وتأتي هذه التحركات بينما تقف المنطقة أمام مفترق حساس، بين احتمالات الانزلاق إلى مزيد من التوتر، أو التقاط فرصة تفاهم سياسي قد تفتح الباب أمام مسار مختلف.
وفي هذا السياق، تبدو إسلام آباد لاعبًا يحاول توظيف موقعه في معادلة التوازنات، فيما تسعى إيران عبر هذه الجولة إلى تعزيز أوراقها السياسية، وسط مشهد لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة.




